ابن قيم الجوزية
24
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
فرقعة وهي صوت السياط ، والجعاجع : جمع جعجعة وهي صوت الرحا . عريت : تجردت ، يهولك : يفزعك ، المنجنيق : آلة توضع فيها الحجارة لترمى بها الحصون ، والينزك : الشهب التي ترمي بها الشياطين . الشرح : لا يجد أهل التعطيل حجة يشغبون بها على أهل الاثبات ويغيرون بها في وجه الحق إلا حجة التركيب ، والأصل في هذه الحجة هم الفلاسفة فإن مذهبهم أن واجب الوجود واحد من كل وجه بسيط لا تكثر فيه لا ذهنا ولا خارجا ، ولهذا نفوا جميع الصفات الثبوتية من العلم والقدرة والإرادة ونحوها ، ولم يثبتوا إلا السلوب والإضافات ، ولكن فريقا من المتكلمين جاروهم في هذه الفرية وواطئوهم عليها وصاروا إلبا واحدا على أهل الإثبات ، ونصبوا من هذا التركيب منجنيقا يرمون منه معاقل الإثبات من زمان بعيد . والمؤلف رحمه اللّه يحذر من الاغترار بما يجعجع به هؤلاء من سفسطات ليس لها سنة من دليل ، ويخبر أنه ليس عندهم ما يهولون به غير هذا المنجنيق المتداعي الأركان الذي يسمونه التركيب ، ناصبين له تحت معاقل الإيمان ، وأخذوا يرمونها به حتى بلغت حجارته لقوة رميها مواقع الحصون ، فأسقطت شرفاتها واستولت على الجدران ، فكم من حصن استولوا عليه بواسطة هذا المنجنيق وهم ما نصبوه إلا ليعبروا من خلال هذه الحصون إلى الحصن الأكبر الذي هو حصن الإيمان . ومما زاد الأمر سوءا والبلاء شدة أن جماعة من أهل الحصن قد انضموا إلى هؤلاء الأعداء ووافقوهم على العدوان ، ورموا معهم بالمنجنيق حصن الايمان ، وكان ما لقيه أهل الحصن من هؤلاء المنافقين أشد مما لقوه من أهل الكفران ، وتركب من كفر هؤلاء وموافقة بعض أهل الحصن لهم طغيان شديد على أهل الحق وجرت منهما على الإسلام محنة قاسية ، وكان ذلك بتقدير اللّه جل شأنه ، ولولا أنه سبحانه تدارك دينه بلطفه ورحمته لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله من الفساد والضياع ، ولكنه أقام له بفضله جندا من أهل الحق ينصرونه ويحمونه ويرمون منجنيق أهل التعطيل بصواعق محرقة من أدلة الإثبات حتى أتوا