ابن قيم الجوزية

20

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وكتابتها ولا برفعها إلى اللّه ، فإن لذلك كله ملائكة موكلين به ، وكيف يعقل ان يسوء اللّه عز وجل نبيه ويحزن قلبه وينغّص عليه ما هو فيه من أنواع النعيم بعرض حصائد الناس من الشرور والمعاصي عليه . أما يكفي ما تحمله في حياته من أنواع المشقات وكبار التضحيات . والحديث فيه كذلك إغراء بالمعاصي ودعوة إليها ، فإنه إذا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم سيستغفر لعصاة أمته كلما عرضت عليه أعمالهم ، ولا شك أن استغفاره موجب للمغفرة لم يضر أحد ما يرتكبه من ذنب . وهو معارض للأحاديث الصحيحة التي تدل على أنه لا يدري بعد موته شيئا من أحوال أمته ، فقد جاء في حديث الحوض ( أنه يرد عليه أناس من أمته الحوض ، وأنه يهم ليسقيهم فتجيء الملائكة وتذودهم عن الحوض ، فيقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : هؤلاء أصحابي أعرفهم ، فيقال له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فيقول : سحقا وبعدا لمن أحدث بعدي ، ويتلو قوله تعالى وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] . ولو فرض صحة هذا الأثر فإن عرض الأعمال عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من شؤون الغيب التي نؤمن بها ولا نعلم كيفيتها ، مع علمنا يقينا أنه ليس عرضا حسيا يقتضي رؤية أو سماعا أو غير ذلك مما هو من شؤون الحي . وهو أيضا ليس مختصا به حتى يكون دليلا على حياته في قبره ، بل قد ورد في عدة آثار حالها في الإسناد على ما فيه أحسن من هذا الحديث أن الإنسان يعرض سعيه على أبيه الميت وأقاربه وإخوانه فإن كان سعيا صالحا فرحوا به واستبشروا ، وإن كان سعيا سيئا حزنوا وتكدروا ودعوا اللّه عز وجل ان يرده عن غيه ويوفقه للصالحات . ولهذا استعاذ راوي هذا الحديث - وهو الصحابي الجليل عبد اللّه بن رواحة الذي استشهد في غزوة مؤتة - باللّه من كل عمل يخزيه عند أهله وأقربائه الميتين . والفرق بين الأمرين أن هذا عرض خاص بالنسبة للأهل والاخوان ، وأما الرسول فيعرض عليه ما يعمله الثقلان .