ابن قيم الجوزية

14

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وكذاك أيضا قصرهن عليه مع * لوم بلا شك ولا حسبان زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخ * رى يقينا واضح البرهان فلذا حرمن على سواه بعده * إذ ذاك صون عن فراش ثان لكن أتين بعدة شرعية * فيها الحداد وملزم الأوطان الشرح : وأما ما ذكرتم من بقاء عقد نكاحه على أزواجه وحرمتهن على غيره بعد موته ، فليس فيه دليل على حياته في قبره ، فإن تلك خصوصية اختص اللّه بها نساء نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث خيرن بين الرسول وبين غيره فاخترنه لقوة إيمانهنّ ، والسبب في التخيير أنهن تظاهرن على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يسألنه النفقة ورغد الحياة بعد أن فتح اللّه عليه خيبر ، فلما أكثرن عليه في ذلك آلى أن لا يقربهن شهرا وأشيع أنه طلقهن ، ثم نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى من سورة الأحزاب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ 28 : 29 ] فخيرهن صلّى اللّه عليه وسلّم فكلهن اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة ، فشكر اللّه لهن هذا الصنيع وكافأهن عليه وهو سبحانه شكور لأعمال عباده ، فقصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عليهن رحمة بهن وشكرا لإحسانهن فقال له لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 52 ] . وكذلك قصرهن عليه معلوم لا شك فيه ، فقد جعلهن أمهات للمؤمنين ، ونهى المؤمنين عن نكاحهن بعده بقوله وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [ الأحزاب : 53 : ] فهن زوجات له في الدنيا وفي الآخرة جميعا ، ولهذا حرمن على غيره من بعده صيانة لهن عن الدخول في فراش ثان حتى يلحقن به في الفردوس الأعلى رضي