ابن قيم الجوزية

82

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وزعمت أن له سمعا وبصرا ، فهو يسمع أصوات خلقه مهما خفتت ، حتى همسات الخواطر ونجوى الضمائر ، ويراهم من فوق سبع سماوات ، بل من فوق ثمان بحيث لا يمتنع على رؤيته أصغر ذرة . وزعمت أنه متكلم بكلام هو صفة له ، وأنه يتكلم بمشيئة ، وأن القرآن كلامه على الحقيقة ، وأنه منه بدأ بلا كيفية قولا وأنزله على رسوله وحيا ، وأنه يرجع إليه في آخر الزمان حين يقبضه من صدور العباد . ووصفته بصفات المخلوقين من السمع والبصر والإرادة والقدرة والكراهة والمحبة والحنان . وزعمت أنه يعلم كل ما في الكون من غيب وشهادة وسر واعلان وأن العلم وصف زائد على ذاته زيادة الأعراض ، وأن هذا العرض قائم به وهو غير ذي جثمان . وزعمت أن اللّه كلم عبده * موسى فأسمعه ندا الرحمن أفتسمع الآذان غير الحرف والص * وت الذي خصت به الأذنان وكذا النداء فإنه صوت باجم * اع النحاة وأهل كل لسان لكنه صوت رفيع وهو ضد * للنجاء كلاهما صوتان فزعمت أن اللّه ناداه ونا * جاه وفي ذا الزعم محذوران قرب المكان وبعده والصوت بل * نوعاه محذوران ممتنعان الشرح : وزعمت كذلك أن اللّه كلم عبده موسى بن عمران بكلام سمعه بأذنيه وذلك الكلام المسموع لا يكون الا حرفا وصوتا ، لأنه هو الذي خصت الآذان بسماعه . وكذلك زعمت أنه ناداه من جانب الطور الأيمن ، والنداء لا يكون إلا صوتا باجماع أهل اللغات ، لكنه صوت عال ، ويقابله النجاء وهو الصوت الخفيض ، وكلاهما صوتان ، وكلاهما ثابت لموسى عليه السلام حيث يقول القرآن : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا [ مريم : 52 ] وفي زعمك أيها المثبت أن اللّه نادى موسى وناجاه ، قد ارتكبت محذورين . أولهما وصف اللّه عز وجل بقرب المكان وبعده ، فان النداء يقتضي البعد ، وضده