ابن قيم الجوزية
74
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وهو الذي حقا على العرش استوى * لكنه استولى على الأكوان وإليه يصعد كل قول طيب * وإليه يرفع سعي ذي الشكران والروح والأملاك منه تنزلت * وإليه تعرج عند كل أوان وإليه أيدي السائلين توجهت * نحو العلو بفطرة الرحمن وإليه قد عرج الرسول فقدرت * من قربه من ربه قوسان الشرح : يعني أن أهل السنة والجماعة قالوا لهذا السائل أن الذي تطلبه وتجد في البحث عنه ، وتقول انك لم تجده في واحدة من الجهات الست هو في جهة الفوق ، فهو العلي بذاته فوق عباده ، وفوق السماوات السبع ، وفوق كل مكان من أمكنة هذا العالم الوجودية ، وهو هناك مستو على عرشه استواء حقيقيا بمعنى العلو والارتفاع ، لا كما يزعم الجهم وأتباعه من أن معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه ، فإنه لا معنى لتخصيص العرش بذلك ، إذ هو سبحانه مستول على جميع الأكوان التي من جملتها العرش ، وإليه هناك يصعد كل قول طيب ، ويرفع كل عمل صالح ، كما قال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] ومن عنده تتنزل الملائكة والروح وإليه تعرج في كل الآنات وفي جميع الأوقات ، كما قال تعالى : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : 4 ] وهو الذي إليه تمتد أيدي السائلين بالطلب في الدعاء ، متجهة نحو العلو بفطرة اللّه الذي فطرها على رفع الأكف في الدعاء ، وهو الذي عرج إليه الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه ليلة الإسراء ، وتجاوز السبع طباق ، وتناهى في القرب منه ، حتى كان قاب قوسين أو أدنى . . . وإليه قد رفع المسيح حقيقة * ولسوف ينزل كي يرى بعيان وإليه تصعد روح كل مصدق * عند الممات فتنثني بأمان وإليه آمال العباد توجهت * نحو العلو بلا تواصي ثان