ابن قيم الجوزية
55
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
بينهم الاختلاف والتنازع ، وفاتهم من الحق بقدر اهمالهم له ، ذلك هو تحكيم الوحي المبين في كل مسائل الدين ، أصوله وفروعه وايثاره على تقليد المشايخ والآباء في أقوالهم بلا بينة ، فهناك حكمان اثنان لا يحكمان الا بكل ما هو حق وعدل ، ولا يعقل أن يصدر منهما حكم بخلاف ذلك ، فأولهما كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، وفيه الشفاء من جميع أمراض القلوب ، وهدى كل ضال حيران . والثاني هو كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي أمره اللّه أن يحكم بين الناس بما أنزله إليه ، وأن يبلغهم البلاغ المبين ، وأن يبين لهم ما نزل إليهم ، قال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] فإذا دعي الانسان لغير حكمهما فيجب أن يرفض بكل اباء ، وأن لا يجيب من يدعوه إلى ذلك قائلا له بملء فمه لا ، ولا كرامة ولا نعمى ولا طاعة لمن يدعو إلى الكفر والطغيان . وأما إذا دعي إلى اللّه ورسوله فليقل على السمع والطاعة في غير إباء ولا استكبار . قال تعالى : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ النور : 51 ] . وإذا تكاثرت الخصوم وصيحوا * فأثبت فصيحتهم كمثل دخان يرقى إلى الأوج الرفيع وبعده * يهوي إلى قعر الحضيض الداني هذا وإن قتال حزب اللّه بال * أعمال لا بكتائب الشجعان واللّه ما فتحوا البلاد بكثرة * أنى وأعداهم بلا حسبان وكذاك ما فتحوا القلوب بهذه ال * آراء بل بالعلم والايمان الشرح : يجب على صاحب الحق المستمسك بأهداب الوحي أن لا يعبأ بكثرة الخصوم ولا يفزعه صياحهم وضجيجهم ، فإن كيد الباطل ضعيف مآله إلى