ابن قيم الجوزية

45

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وارادتهم ، حتى أراحهم جهم وشيعته من عودهم بالأئمة على أنفسهم كلما أحدثوا ذنبا ، فأخذوا بعد مقالة جهم يحملونها ربهم جل شأنه ويتبرءون منها ، ويقولون مقالة الجاهل المغرور انها أفعاله لا أفعالنا ، ولا حيلة لنا في دفعها ، إذ لا قدرة لنا ولا اختيار . ما كلف الجبار نفسا وسعها * أنى وقد جبرت على العصيان وكذا على الطاعات أيضا قد غدت * مجبورة فلها إذا جبران والعبد في التحقيق شبه نعامة * قد كلفت بالحمل والطيران إذ كان صورتها تدل عليهما * هذا وليس لها بذاك يدان فلذاك قال بأن طاعات الورى * وكذاك ما فعلوه من عصيان هي عين فعل الرب لا أفعالهم * فيصح عنهم عند ذا نفيان نفي لقدرتهم عليها أولا * وصدورها منهم بنفي ثان الشرح : إذا كان الجهم يرى أن العبد لا قدرة له على الفعل ولا اختيار له فيه ، فهو عنده قد كلف بما لا يطيق ، حيث أنه مجبور على كل من الطاعة والمعصية فإذا كلف بترك المعصية أو بفعل الطاعة فقد كلف بما لا يدخل تحت قدرته ، وهو عند التحقيق أشبه شيء بالنعامة ، يراها الرائي في صورة الجمل فيكلفها حمل الأثقال ويرى لها جناحين فيكلفها الطيران ، وليس لها على هذا أو ذاك قدرة واحتمال ، وإذا لم يكن للعباد يد بشيء من الطاعات أو المعاصي لم تكن هي أفعالهم ، بل عين فعل الرب سبحانه ، لأنه هو الذي خلقها فيهم ، وليس لهم فيها إلا أنهم محل فقط لظهورها ، وعلى هذا فيصح أن ننفي عنهم قدرتهم عليها كما ننفي صدورها منهم بنفي ثان . فيقال ما صاموا ولا صلوا ولا * زكوا ولا ذبحوا من القربان وكذاك ما شربوا وما قتلوا وما * سرقوا ولا فيهم غوي زان