ابن قيم الجوزية
37
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وتمد أيضا مثل مد أديمنا * من غير أودية ولا كثبان وتقيئ يوم العرض من أكبادها * كالأسطوان نفائس الأثمان كل يراه بعينيه وعيانه * ما لامرئ بالأخذ منه يدان وكذا الجبال تفتّ فتا محكما * فتعود مثل الرمل ذي الكثبان وتكون كالعهن الذي ألوانه * وصباغه من سائر الألوان وتبس بسا مثل ذاك فتنثني * مثل الهباء لناظر الانسان الشرح : لكن الذي ذلت عليه النصوص الصريحة أن الأرض تسوي وتصير قاعا صفصفا لا ارتفاع فيها ولا انخفاض وتصير صعيدا جرزا ليس عليها نبات ولا شجر ، قال تعالى : فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 106 - 107 ] وقال : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً [ الكهف : 7 - 8 ] وأنها تبسط وتوسع وتمد كمد الأديم ، وهو الجلد المدبوغ ، قال تعالى : وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ [ الانشقاق : 3 - 5 ] وأنها تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها وأنها تبدل كما سبق في الشكل والكيفية مع بقاء كيانها . وأما قول المؤلف ( وتقيئ يوم العرض الخ ) هذا البيت والذي بعده فهو إشارة إلى قوله عليه السلام فيما رواه مسلم عن أبي هريرة « تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة ، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ، ويجيء القاطع فيقول : في هذا قطعت رحمي ، ويجيء السارق فيقول : في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا » . وكذلك دلت النصوص الصريحة من القرآن على أن الجبال التي جعلها اللّه أوتادا للأرض حتى لا تميد بنا تتفتت وتصير كثيبا مهيلا . وأنها تصير كالعهن المنفوش ، يعني مثل الصوف المصبوغ أو المتمزق البالي ، وأنها تبس بسا فتصير هباء منبثا قال على رضي اللّه عنه : هباء منبثا كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا