ابن قيم الجوزية

29

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

واسأل شرار الخلق أغلى أمة * لوطية هم ناكحوا الذكران وأسأل كذاك امام كل معطل * فرعون مع قارون مع هامان هل كان فيهم منكر للخالق ال * رب العظيم مكون الأكوان فليبشروا ما فيهم من كافر * هم عند جهم كاملو الإيمان الشرح : اختلف الناس في حقيقة الإيمان على أقوال شتى ، أصحها ما ذهب إليه السلف من أنه تصديق بالجنان واقرار باللسان وعمل بالأركان . وروي عن أبي حنيفة أنه تصديق واقرار فقط ، بل روي عنه أنه جعل الاقرار ركنا زائدا ليس بأصلي . وذهب الكرامية إلى أن الإيمان اقرار باللسان فقط ، فمن أقر بلسانه فهو مؤمن عندهم بمعنى أنه يسمى بذلك ، وان كان مستحقا للوعيد . وذهب الجهم وشيعته إلى أن الايمان هو مجرد المعرفة بأن اللّه هو الرب الخالق لكل شيء ، والناس في هذه المعرفة متساوون كأسنان المشط ، لا يزيد أحدهم فيها على غيره ولا ينقص عنه . وقد بين المؤلف رحمه اللّه فساد هذا المذهب بأنه يلزم عليه أن يكون أبو جهل أشقى هذه الأمة وشيعته في الكفر والعناد ومن والاهم من عبدة الأوثان . وأن يكون اليهود الذي لعنهم اللّه وغضب عليهم وأن يكون كل أقلف مشرك من النصارى الذي لا يختتنون . وأن تكون ثمود الذين عقروا الناقة وقوم هود الذين استكبروا في الأرض بغير الحق ، وقالوا من أشد منا قوة ، وقوم نوح الذين فسقوا عن أمر اللّه ، وأن يكون إبليس رأس الشر وقوم لوط ناكحوا الذكران من العالمين ، وفرعون وهامان وقارون - يلزم أن يكون هؤلاء جميعا على مذهب الجهم مؤمنين كاملي الايمان ، فإن الاقرار بوجود صانع للعالم مركوز في الفطر ، ولم ينازع فيه أحد من العقلاء . وأما قول فرعون على جهة التجاهل والانكار وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] فهو مكابرة منه مع علمه بالحق ، ولهذا قال له موسى عليه