ابن قيم الجوزية
17
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
تتعشقها القلوب الكبيرة ، وتجد في طلبها ووصالها ، وتسهر الليالي في تحصيلها . وفي هذه الأبيات يخبر أن حكم تلك المحبة بالجد في طلب المحبوب والظفر بوصله حكم وطيد الأركان ، ثابت الدعائم لا يستطيع الصدود والاعراض فسخه وأبطاله ، كيف وقاضي الحسن والجمال هو المنفذ لذلك الحكم ، مما حمل كلا من الخصمين على الاقرار به . وجاء شهود الوصل يشهدون بحقية ذلك الحكم وثبوته حتى تأكد غاية التأكيد ، وبذلك أصبح حكم الوشاة والعاذلين حكما لاغيا تهاوت منه الأركان فخر صريعا على الأذقان . ولما أخبر أن حكم المحبة قد توفرت له كل وسائل القوة والتنفيذ وأنه لا سبيل للوشاة إلى نقضه وابطاله ، بين حكمهم المنافي لحكم المحبة وهو الداعي إلى الصدود والهجران ، فقال ان الوشاة أدركوا بطلان ذلك الحكم الذي حكموا به بطلانا يقينا ، لأنه حكم لم يصادف محله ، ولا استوفى شروطه ، ومن أجل ذلك حرر قاضي الحسن محضرا بفساد حكم الهجر والسلوان وأنكر على الوشاة زعمهم أن المحبة والصدود لدان ، ثم أقسم أن هذا حكم في غاية الجور وليس بحكم مقسط ، فإنه يسوي بين أمرين متضادين ، ومعلوم ببديهة العقل أن الضدين لا يجتمعان في محل واحد بحيث يتصف بهما في وقت معا : يا والها هانت عليه نفسه * إذ باعها غبنا بكل هوان أتبيع من يهواه نفسك طائعا * بالصد والتعذيب والهجران أجهلت أوصاف المبيع وقدره * أم كنت ذا جهل بذي الأثمان واها لقلب لا يفارق طيره الأغ * صان قائمة على الكثبان ويظل يسجع فوقها ولغيره * منها الثمار وكل قطف دان ويبيت يبكي والمواصل ضاحك * ويظل يشكو وهو ذو شكران هذا ولو أن الجمال معلق * بالنجم همّ إليه بالطيران المفردات : الواله : المتحير من شدة الوجد . الغبن في البيع : النقص من الثمن