ابن تيميه

9

شرح العقيدة الإصفهانية

الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية ، فناداه الشيخ فجاء إليه ، فناول الشيخ اللوح ، فنظر فيه ، ثم قال : يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئا تكتبه ، ففعل فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر ، أو ثلاثة عشر حديثا ، وقال له : اقرأ هذا ، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه ثم دفعه إليه ، وقال : اسمعه عليّ ، فقرأ عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع ، فقال له : يا ولدي امسح هذا ، ففعل . فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها ثم قال : اقرأ هذا ، فنظر فيه كما فعل أول مرة فقام الشيخ وهو يقول : إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم ، فإن هذا لم ير مثله . أو كما قال » اه « 1 » . حفظ القرآن في سنّ مبكرة ثم أكب على طلب العلم . فدرس على والده ، وبعض مشايخ عصره « 2 » ، ولم يتجه إلى فن معين بل درس الحديث وسمع المسانيد ، والكتب الستة ، وبعض المعاجم ، وأقبل على التفسير ، وعلم الفقه والأصول ، إضافة إلى علم اللغة . وقد جلس للإفتاء وعمره تسع عشرة سنة ، وخلف والده في التدريس بدار الحديث السكرية وعمره اثنتان وعشرون سنة بعد أن توفي والده سنة 682 ه ، وجلس الشيخ للتدريس في الثاني من شهر اللّه المحرم سنة 683 ه ، وقد حضر درسه الأول كبار علماء دمشق ، يقول ابن كثير واصفا هذا الدرس : « . . . وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي الشافعي ، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية ، والشيخ زين الدين ابن المرحل ، وزين الدين ابن المنجى الحنبلي ، وكان درسا هائلا ، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده ، وكثرة ما استحسنه الحاضرون . وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنّه وصغره ، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين . . . » « 3 » . وأيضا في اليوم العاشر من شهر صفر من هذه السنة جلس للتفسير في الجامع الأموي بعد صلاة الجمعة ، وقد استمر هذا الدرس سنين طويلة ، وكان يحضره الجمع الغفير من الناس . وقال الإمام الذهبي : « نشأ - يعني الشيخ تقي الدين - رحمه اللّه في تصون تام ، وعفاف وتأله وتعبد ، واقتصاد في الملبس والمأكل ، وكان يحضر المدارس

--> ( 1 ) العقود الدرية ص 4 . ( 2 ) وسيأتي ذكرهم في تعداد شيوخه وتلاميذه . ( 3 ) البداية والنهاية ( 13 / 303 ) .