ابن تيميه

60

شرح العقيدة الإصفهانية

فصل [ الدليل على علم اللّه تعالى ] وأما قوله : ( والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده للأشياء مع الجهل ) فهذا الدليل مشهور عند نظار المسلمين أولهم وآخرهم ، والقرآن قد دل عليه كما في قوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) « 1 » والمتفلسفة أيضا سلكوه ، وبيانه من وجوه : أحدها : أن إيجاده للأشياء هو بإرادته كما سيأتي ، والإرادة تستلزم تصور المراد قطعا ، وتصور المراد هو العلم فكان الإيجاد مستلزما للإرادة ، والإرادة مستلزمة للعلم فالإيجاد مستلزم للعلم . الثاني : إن المخلوقات فيها من الإحكام والاتقان ما يستلزم علم الفاعل لها لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم ، وبهذين الطريقين يتقرر ما ذكره « ولهم طرق » منها أن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال ؛ ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما ، وهذا له طريقان : أحدهما : أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق ، وأن الواجب أكمل من الممكن ، ونعلم ضرورة أنّا إذا فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير عالم كان العالم أكمل منه فإذا لم يكن الخالق سبحانه عالما يلزم أن يكون غير عالم أي جاهلا وهو ممتنع . الثاني : أن يقال : كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعة عاريا منه بل هو أحق ؛ واللّه سبحانه - وله المثل الأعلى - لا يستوي هو والمخلوق لا في قياس تمثيل ولا قياس شمول بل كل ما أثبت لمخلوق فالخالق به أحق ، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فتنزيه الخالق عنه أولى .

--> ( 1 ) سورة الملك ، الآية : 14 .