ابن تيميه

46

شرح العقيدة الإصفهانية

فصل [ الرد على من نفى بعض صفات اللّه تعالى ] فإن قيل : إنما نفينا الرحمة والمحبة والرضا والغضب ونحو ذلك من الصفات لأنه لا يعقل لها حقيقة تليق بالخالق إلا الإرادة فالمحبة والرضا إرادة الإحسان ، والغصب إرادة العقاب منه فالفرق بينهما بحسب تعلقاتها لأن هذه في نفسها ليست عدة ، قيل : هذا باطل فإن نصوص الكتاب والسنة والإجماع مع الأدلة العقلية تبين الفرق فإن اللّه سبحانه يقول : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ « 1 » وقال تعالى : إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ « 2 » فبين أنه لا يرضى هذه المحرمات مع أن كل شيء كائن بسببه ، وقال تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ « 3 » وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام وبإجماع سلف الأمة قبل حدوث أقوال النفاة من الجهمية ونحوهم أن اللّه يحب الإيمان والعمل الصالح ، ولا يحب الكفر والفسوق والعصيان ، وأنه يرضى هذا ولا يرضى هذا والجميع بمشيئته وقدرته ، والذين لم يفرقوا لهم تأويلات ؛ تارة يقولون لا يرضاه لعباده المؤمنين فهم يقولون لا يحب الإيمان والعمل الصالح ممن لم يفعله كما لم يرده ممن لم يفعله ويقولون : إنه يحب الكفر والفسوق ممن فعله كما أراده ممن فعله . وفساد هذا القول مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ، مع دلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف على فساده ، وتأويلهم الثاني قالوا : لا يرضاه دينا كما يقولون لا يريده دينا ، ومعناه عندهم أنه لا يريد أن يثيب فاعله إذ جميع الموجودات والأفعال عندهم بالنسبة إليه سواء ، لا يحب منها شيئا دون شيء ولا يبغض منها شيئا دون شيء ، وقد بسط الكلام على فساد هذا القول وتناقضه في مواضع أخر .

--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية : 7 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 108 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 205 .