ابن تيميه

43

شرح العقيدة الإصفهانية

فإن قلت : الإرادة التي نثبتها للّه ليست مثل إرادة المخلوق كما أنّا قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي عليم قدير وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين . قال لك أهل الإثبات : وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها للّه ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق . فإن قلت : لا أعقل من الرحمة والمحبة إلا هذا ؟ قال لك النفاة : ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا ومعلوم عند كل عاقل أن إرادتنا ومحبتنا ورحمتنا بالنسبة إلينا كإرادته ورحمته ومحبته بالنسبة إليه ، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين ، فيثبت له إحدى الصفتين وتنفي الأخرى ، وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذ أكثر ما يقال أني أثبت الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال لك : انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة فمن أين نفيت ذلك ؟ ثم يقال : بل السمع أثبت ذلك أيضا وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة فيقال : ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين ، وكشف الضر عن المضرورين والإحسان إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة الخالق سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوبية بهذا الطريق ؛ تارة يدلهم بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته ومشيئته ، وتارة يدلهم بالنعم والآلاء على وجود برّه وإحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في القرآن ، وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه ولم يكن أقل منه بكثير كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ « 1 » وقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) « 2 » وقوله في سورة الرحمن بعد أن ذكر كل نوع من هذه الأنواع : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) « 3 » . وبالجملة ما ذكره في القرآن من الأمثال والآيات تارة يقرر بها نفس مشيئته وقدرته وخلقه وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته ، وهذه الطريقة مستلزمة للأولى من غير عكس ، فإنه يلزم من وجود الإحسان والرحمة وجود القدرة

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان : 21 - 22 . ( 2 ) سورة السجدة ، الآية : 27 . ( 3 ) سورة الرحمن ، الآية : 13 .