ابن تيميه

14

شرح العقيدة الإصفهانية

عن واقعه ، لا يعلم ما يدور حوله ، بل عايشه بقلبه وقالبه . وإذا قضى حياته مجاهدا بقلمه ولسانه ، فقد كان من حملة السيف ، وأبطال المعارك ، ترجم علمه بعمله ، وقوله بفعله ، ولنأخذ أنموذجا وموقفا من مواقفه الجهادية التي خاض غمارها وشق غبارها ، ومن خلالها يمكن أن نستشف ما كان يتمتع به هذا الرجل من روح جهادية ، خلدت اسمه ورفعت شأنه . عاش شيخ الإسلام عصرا محموما يعج بالفتن والقلاقل كانت الأمة الإسلامية فيه مليئة بالأحداث الجسام والمصائب المتلاحقة ، تعيش تمزقا لم يسبق له مثيل ، فما كادت الحملات الصليبية تنتهي ، إلا وفجعت أمة الإسلام بالجيش التتري الغاشم يجتاح العالم الإسلامي ، ويأتي على الرطب واليابس ، وأصبحت ممالك المسلمين تتساقط في أيديهم الواحدة تلو الأخرى . وهم يعيثون فيها خرابا ، وسلبا ونهبا ، وأسرا وقتلا ، حتى أتوا على حاضرة العالم الإسلامي « بغداد » وطوقوها عام 656 ه وسقطت في أيديهم بعد أن قتلوا الخليفة العباسي « المستعصم » وما صاحب ذلك من سفك الدماء ودمار شامل لم يعرف التاريخ له نظيرا « 1 » . وبهذا أصبح شبح التتار يثير الرعب في نفوس المسلمين وترتعد له القلوب خوفا ورهبا . وفي سنة 699 ه عزم « قازان » حاكم التتار على غزو الشام - وسبقت الإشارة إلى موقف شيخ الإسلام من هذا ومقابلته قازان ، ورجوع الأخير عن عزمه - « 2 » . وفي رجب سنة 702 ه شاعت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام ، فأصاب الناس ذعر وهلع وخوف شديد ، وبدءوا في الخروج إلى الديار المصرية ، وهنا يبرز أثر الشيخ فيقف ويهدّئ الناس ويطمئنهم ويعدهم النصر ، ويحثهم على الجهاد ، ويأمرهم بالصبر والمصابرة ، ويكثر من الابتهال إلى اللّه والتضرع إليه . وفي هذه الأثناء سار إلى السلطان وحثه على قتال التتار فأجابه إلى ذلك ، وكان يحلف للأمراء والناس أنهم لمنصورون ، فيقول له الأمراء : قل : إن شاء اللّه ، فيقول : إن شاء اللّه تحقيقا لا تعليقا . وكان يتلو بعض الآيات في ذلك . وقد حصل عند الناس شبهة ، وتردد في قتالهم ، على أي شيء يقاتلون !

--> ( 1 ) انظر تفصيل ذلك في : البداية والنهاية ( 13 / 200 - 204 ) ، سير أعلام النبلاء ( 23 / 181 - 183 ) ، دول الإسلام للذهبي ص 360 - 362 . ( 2 ) انظر : « شجاعة شيخ الإسلام وقوته » .