التفتازاني

82

شرح العقائد النسفية

بقي هاهنا بحث آخر ، وهو أن بعض القدرية ذهب إلى أن الايمان هو المعرفة . وأطبق علماؤنا على فساده ، لأن أهل الكتاب كانوا يعرفون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، مع القطع بكفرهم ، لعدم التصديق ، ولأن من الكفار من كان يعرف الحق يقينا ، وانما كان ينكر عنادا واستكبارا . قال الله تعالى : « وَجَحَدُوا بِها ، وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ » « 1 » فلا بد من بيان الفرق بين معرفة الأحكام واستيقانها ، وبين التصديق بها واعتقادها ، ليصح كون الثاني ايمانا دون الأول . والمذكور في كلام بعض المشايخ : أن التصديق عبارة عن ربط القلب ، على ما علم ، من اخبار المخبر ، وهو أمر كسبى يثبت باختيار المصدق ولذا يثاب عليه ويجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة ، فإنها ربما تحصل بلا كسب ، كمن وقع بصره على جسم ، فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر . وهذا ما ذكره بعض المحققين : من أن التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر . حتى لو وقع ذلك في القلب ، من غير اختيار ، لم يكن تصديقا ، وان كان معرفة . وهذا مشكل ، لأن التصديق من أقسام العلم ، وهو من الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية لأنا إذا تصورنا النسبة بين الشيئين ، وشككنا في أنها بالاثبات أو النفي ، ثم أقيم البرهان على ثبوتها . فالذي يحصل لنا هو الاذعان والقبول لتلك النسبة . وهو « 2 » دون معنى التصديق والحكم . والاثبات والايقاع . نعم تحصيل تلك الكيفية يكون بالاختيار في مباشرة الأسباب ، وصرف النظر ، ورفع الموانع ونحو ذلك . وبهذا الاعتبار يقع التكليف بالايمان . وكان هذا هو المراد بكونه كسبيا اختياريا ، ولا تكفى المعرفة ( في حصول التصديق « 3 » ) لأنها قد تكون بدون ذلك . نعم يلزم أن تكون المعرفة اليقينية المكتسبة بالاختيار ، تصديقا . ولا بأس بذلك . لأنه حينئذ يحصل المعنى الّذي يعبر عنه بالفارسية بگرويدن « 4 » . وليس الايمان والتصديق سوى ذلك . وحصوله للكفار

--> ( 1 ) النمل 14 ( 2 ) وهو دون معنى : خ - وهو معنى : ط . ( 3 ) سقط خ . ( 4 ) بكروندى : خ .