التفتازاني

71

شرح العقائد النسفية

بمنزلة العدم ( باقيتان لا تفنيان ، ولا يفنى أهلهما ) أي دائمتان لا يطرأ عليهما عدم مستمر . لقوله تعالى في حق الفريقين : « خالِدِينَ فِيها أَبَداً » « 1 » . وأما ما قيل : من أنهما تهلكان ، ولو لحظة ، تحقيقا لقوله تعالى : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » فلا ينافي البقاء بهذا المعنى ، على أنك قد عرفت أنه لا دلالة في الآية على الفناء . وذهب الجهمية إلى أنهما يفنيان ، ويفنى أهلهما . وهو قول باطل مخالف للكتاب والسنة والاجماع ، وليس عليه شبهة ، فضلا عن حجة . [ القول في الكبيرة ] ( والكبيرة ) قد اختلفت الروايات فيها فروى عن ابن عمر - رضي الله عنهما - انها تسعة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ، وقذف المحصنة ، والزنا ، والفرار عن الزحف ، والسحر « 2 » ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين المسلمين ، والالحاد في المحرم . وزاد أبو هريرة : أكل الربا . وزاد على - رضي الله عنه - السرقة ، وشرب الخمر . وقيل : كل ما كانت مفسدته مثل مفسدة شيء مما ذكر ، أو كثر منه . وقيل كل ما توعد عليه الشرح بخصوصه . وقيل : كل معصية أصر عليها العبد فهي كبيرة . وكل ما استغفر عنها فهي صغيرة . وقال صاحب الكفاية : الحق أنهما اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتيهما ، فكل معصية إذا أضيفت إلى ما فوقها فهي صغيرة ، وان أضيفت إلى ما دونها فهي كبيرة والكبيرة المطلقة هي الكفر ، إذ لا ذنب أكبر منه . وبالجملة : المراد هاهنا أن الكبيرة التي هي غير الكفر ( لا تخرج العبد المؤمن من الايمان ) لبقاء التصديق الّذي هو حقيقة الايمان ، خلافا للمعتزلة ، حيث زعموا : أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر . وهذا هو المنزلة بين المنزلتين ، بناء على أن الأعمال عندهم جزء من حقيقة الايمان ( ولا تدخله ) أي العبد المؤمن ( في الكفر ) خلافا للخوارج ، فإنهم ذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة ، بل الصغيرة أيضا كافر ، وأنه لا واسطة بين الكفر والايمان .

--> ( 1 ) البينة 8 . ( 2 ) انظر بحث علم اسحر في تقديمنا لكتاب النبوات وما يتعلق بها للامام فخر الدين الرازي - نشر الكليات الأزهرية بمصر .