التفتازاني
56
شرح العقائد النسفية
بخلق الله تعالى ، الا أن مشايخ ما وراء النهر ، قد بالغوا في تضليلهم في هذه المسألة ، حتى قالوا : ان المجوس أسعد حالا منهم ، حيث لم يثبتوا الا شريكا واحدا ، والمعتزلة أثبتوا شركاء لا تحصى . واحتجت المعتزلة بأنا نفرق بالضرورة بين حركة الماشي وحركة المرتعش ، وأن الأولى باختياره دون الثانية ، وبأنه لو كان الكل بخلق الله تعالى ، لبطل قاعدة التكليف « 1 » والمدح والذم والثواب والعقاب . وهو ظاهر . والجواب : ان ذلك انما يتوجه على الجبرية القائلين بنفي الكسب والاختيار ، له أصلا . وأما نحن فنثبته على ما نحققه إن شاء الله تعالى . وقد تتمسك بأنه لو كان خالقا لأفعال العباد ، لكان هو القائم والقاعد والآكل والشارب والزاني والسارق إلى غير ذلك . وهذا جهل عظيم لأن المتصف بالشيء من قام به ذلك الشيء لا من أوجده ، أولا يرون أن الله تعالى هو الخالق للسواد والبياض وسائر الصفات في الأجسام ولا يتصف بذلك ؟ وربما يتمسك بقوله تعالى : « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » « 2 » - « وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ » « 3 » والجواب : ان الخلق هاهنا بمعنى التقدير ( وهي ) أي أفعال العباد ( كلها بإرادته ومشيئته ) قد سبق أنهما عندنا عبارة عن معنى واحد ( وحكمه ) لا يبعد أن يكون ذلك إشارة إلى خطاب التكوين ( وقضيته ) أي قضائه . وهو عبارة عن الفعل مع زيادة أحكام . ولا يقال : لو كان الكفر بقضاء الله تعالى ، لوجب الرضا به ، لأن الرضا بالقضاء « 4 » واجب ، واللازم باطل ، لأن الرضا بالكفر كفر لأنا نقول : الكفر مقضى لا قضاء ، والرضا انما يجب بالقضاء دون المقضى . ( وتقديره ) وهو تحديد كل مخلوق بحده الّذي يوجد من حسن وقبح ، ونفع وضر ، وما يحويه من زمان ومكان ، وما يترتب عليه من ثواب وعقاب . والمقصود : تعميم إرادة الله وقدرته لما مر من أن الكل بخلق الله تعالى . وهو يستدعى القدرة والإرادة لعدم الاكراه والاجبار . فان قيل : فيكون الكافر مجبورا في كفره ، والفاسق في فسقه ،
--> ( 1 ) البطل التكليف : خ . ( 2 ) المؤمنون 14 . ( 3 ) المائدة 110 . ( 4 ) بقضاء الله : خ .