التفتازاني

53

شرح العقائد النسفية

وقد اعترض عليه بوجوه : أقواها : أن سؤال موسى عليه السلام كان لأجل قومه ، حيث قالوا : « لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » « 1 » فسأل ليعلموا امتناعها ، كما علمه هو ، وبأنا لا نسلم أن المعلق عليه ممكن ، بل هو استقرار الجبل حال تحركه . وهو محال . وأجيب : بأن كلا من ذلك خلاف الظاهر ، ولا ضرورة في ارتكابه ، على أن القوم ان كانوا مؤمنين كفاهم قول موسى عليه السلام : ان الرؤية ممتنعة . وان كانوا كفارا . لم يصدقوه في حكم الله تعالى بالامتناع ، وأياما كان يكون السؤال عبثا . والاستقرار حال التحرك أيضا ممكن ، بأن يقع السكون بدل الحركة ، وانما المحال اجتماع الحركة والسكون . ( واجبة بالنقل . ورد الدليل السمعي بايجاب رؤية المؤمنين الله تعالى في دار الآخرة ) أما الكتاب فقوله تعالى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » « 2 » وأما السنة فقوله عليه السلام « انكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » وهو مشهور . رواه أحد وعشرون من أكابر الصحابة رضي الله عنهم . وأما الاجماع فهو أن الأمة كانوا مجمعين على وقوع الرؤية في الآخرة ، وأن الآيات الواردة في ذلك محمولة على ظواهرها ، ثم ظهرت مقالة المخالفين وشاعت شبههم وتأويلاتهم « 3 » . وأقوى شبههم من العقليات : أن الرؤية مشروطة بكون المرئى ، في مكان وجهة ومقابلة من الرائي وثبوت مسافة بينهما بحيث لا تكون في غاية القرب ولا في غاية البعد واتصال شعاع من الباصرة بالمرئى وكل ذلك محال في حق الله تعالى والجواب منع هذا الاشتراط وإليه أشار بقوله ( فيرى لا في مكان ولا في جهة من مقابلة أو اتصال شعاع ولا بثبوت « 4 » مسافة بين الرائي وبين الله تعالى ) وقياس الغائب على الشاهد فاسد وقد يستدل على عدم الاشتراط برؤية الله تعالى إيانا وفيه نظر لأن الكلام في الرؤية بحاسة البصر . فان قيل لو كان جائز الرؤية والحاسة سليمة ( وسائر

--> ( 1 ) البقرة 55 . ( 2 ) القيامة 22 - 23 ( 3 ) الادراك على الحقيقة هو الرؤية بالبصر . ولذلك نفاه . والرؤية قد تكون بمعنى العام مجازا . مثل « أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ » ولذلك لم ينف الرؤية لأن إله يعلم بآثاره . ( 4 ) أو تكون : خ - ولا ثبوت : ط .