القاضي عياض

50

شرح الشفاء ( شرح ملا علي القاري )

ورد هذا الحديث حين خطب علي رضي اللّه تعالى عنه جويرية ابنة عدو اللّه أبي جهل على فاطمة رضي اللّه تعالى عنها قال مسرور بن مخرمة سمعت رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن إلّا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني فمن أبغضها أبغضني فهذا من خصوصياتها ( وقال ) أي في رواية ( لعائشة رضي اللّه تعالى عنها في أسامة بن زيد ) أي في حقه ( أحبّيه فإنّي أحبّه ) وقد ورد أنه أراد عليه الصلاة والسلام أن ينحي مخاط أسامة فقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها دعني حتى أنا الذي أفعل قال يا عائشة أحبيه فإني أحبه ( وقال ) كما في الصحيحين ( آية الإيمان حبّ الأنصار وآية النّفاق بغضهم ) أي علامة كمال إيمان من آمن أو علامة نفس إيمانه حبهم ويؤيده ظاهر الحديث وحديث لا يحبهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق ولعل وجه تخصيصهم أنهم كانوا مختلطين فيما بين المنافقين والمخلصين أو للإشعار بأن حكم المهاجرين أولى بذلك كما يشير إليه قوله عليه الصلاة والسلام لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار إيماء إلى جلالة رتبة الهجرة وأنه عليه الصلاة والسلام نبي مهاجر من المهاجرين وقد جاء بطريق العموم حب العرب إيمان وبغضهم نفاق كما رواه الحاكم في مستدركه عن أنس رضي اللّه تعالى عنه ( وفي حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما ) أي كما تقدم ( من أحبّ العرب فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ) ظاهر مبناه اخبار ولا يبعد أن يكون معناه إنشاء أي من أحبهم فينبغي أن يكون بسبب حبي لهم أحبهم حيث يكونون صالحين وكذا البغض إذا كانوا طالحين لما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من أحب للّه وأبغض للّه فقد استكمل إيمانه وفي رواية حب قريش إيمان وبغضهم كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر فمن أحب العرب أي جنسهم والمراد مؤمنوهم أو متقوهم فقد أحبني ومن أبغض العرب فقد أبغضني رواه الطبراني في الأوسط عن أنس رضي اللّه تعالى عنه وروى ابن عساكر عن جابر مرفوعا حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر وحب العرب من الإيمان وبغضهم كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة اللّه ومن حفظني فيهم فأنا أحفظه يوم القيامة والأحاديث كثيرة في هذا الباب وبالجملة فيجب على كل أحد أن يحب أهل بيت النبوة وجميع الصحابة من العرب والعجم لا سيما جنسه عليه الصلاة والسلام ولا يكون من الخوارج في بغض أهل البيت فإنه لا ينفعه حينئذ حب الصحابة ولا من الرافض في بغض الصحابة فإنه لا ينفعه حينئذ حب أهل البيت ولا يكون من جملة الجهلاء العوام حيث يكرهون العرب بالطبع الملام ويذمونهم على الإطلاق بسوء الكلام فإنه يخشى عليهم من سوء الختام ( فبالحقيقة من أحبّ شيئا أحب كلّ شيء يحبّه ) أي يحب ذلك الشيء وهذا أظهر ( وهذه ) أي الطريقة الموافقة للحقيقة ( سيرة السّلف ) أي سمة الصحابة والتابعين في حبهم ما أحبه عليه الصلاة والسلام