القاضي عبد الجبار الهمذاني

93

شرح الأصول الخمسة

فإن قيل : كيف يمكنكم القول أن المناكير كلها من باب واحد وقد علمنا أن في المناكير ما للاجتهاد فيه مجال ، ومنها ما ليس كذلك . والأصل في الجواب عن ذلك ، أن الاجتهاد إنما يدخل في أن ذلك الشيء منكر أم لا ، فأما إذا ثبت كونه منكرا فلا مجال للاجتهاد في وجوب النهي عنه . واعلم أن المناكير على ضربين : عقلية وشرعية : فالعقليات منها ، نحو الظلم والكذب وما يجري مجراها ، والنهي عنها كلها واجب ، لا يختلف الحال فيه بحسب اختلاف المقدم عليه بعد التكليف . والشرعيات على ضربين : أحدهما ، ما للاجتهاد فيه مجال ، والآخر لا مجال للاجتهاد فيه . أما ما لا مجال للاجتهاد في كونه منكرا كالسرقة والزنا وشرب الخمر وما يجري هذا المجرى ، والنهي عن كل ذلك واجب ولا يختلف الحال فيه بحسب اختلاف المقدم عليه . وأما ما للاجتهاد فيه مجال ، فكشرب المثلث فإنه منكر عند بعض العلماء وغير منكر عند البعض ، وما هذا سبيله ينظر في حال المقدم عليه ، فإن كان عنده أنه حلال جائز لم يجب النهي عنه ، وإن كان عنده أنه مما لا يحل ولا يجوز وجب النهي عنه . فعلى هذا ، لو رأى واحد من الشافعية حنيفا يشرب المثلث فإنه ليس له أن ينكر عليه وينهاه ، وبالعكس من هذا لو رأى حنفي شفعويا يشرب المثلث ، فإنه يلزم نهيه والانكار عليه . وعلى الجملة ، فما هذا حاله لا يخرج عن كونه منكرا وإن اختلف بحسب اختلاف المقدمين عليه . كيف يقال بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الناس من لم يقل بوجوبه إلا مع إمام ثم إنه رحمه اللّه سأل نفسه فقال : كيف يمكنكم أن تقولوا بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي الناس من ذهب إلى أنه لا يجب إلا إذا كان هناك إمام مفترض الطاعة ؟ والأصل في الجواب عن ذلك ، أن المخالف فيه لا يخلو ، إما أن يقول : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب لا قولا ولا فعلا إلا عند وجود الإمام المفترض الطاعة ، أو يقول : إنه إنما لا يجب فعلا ولكن يجب قولا ، وكلا القولين فاسد لأن الدلالة التي دلت على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب والسنة والإجماع لم تفصل بين أن يكون هناك إمام وبين أن لا يكون .