القاضي عبد الجبار الهمذاني
88
شرح الأصول الخمسة
الأحكام . فإن أردت به الأول ، فذلك ساقط ، لأنا نعلم ضرورة من دين الأمة أن صاحب الكبيرة لا تجري عليه هذه الأحكام ، فلا يمنع على المناكحة والموارثة والدفن وغيرها ، وإن أردت به الثاني ، فذلك لا يصح أيضا ، لأن الكفر صار بالشرع اسما لمن يستحق إجراء هذه الأحكام عليه ، فكيف يجوز إطلاقها على من لا يستحقها ؟ . وإما أن يقول إن صاحب الكبيرة مؤمن على ما تقوله المرجئة . والكلام عليه أن نقول ما تريد به ؟ أتريد به أن حكمه حكم المؤمن في المدح والتعظيم والموالاة في اللّه تعالى ، أم تريد أنه يسمى مؤمنا . فإن أردت به الأول ، فذلك لا يصح ، لأنه خرق إجماع مصرح ، فإنا نعلم من حال الصحابة وخاصة من حال علي بن أبي طالب عليه السلام ، أنهم كانوا لا يعظمون صاحب الكبيرة ولا يوالونه في اللّه عز وجل بل يلعنونه ويستخفون به ، ولهذا فإن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول في قنوته : اللهم العن معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، وأبا الأعور السلمي ، وأبا موسى الأشعري . وإن أردت به الثاني . فذلك لا يصح أيضا لأن قولنا مؤمن في الشرع ، اسم لمن يستحق هذه الأحكام المخصوصة ، فكيف يجري على من لا يستحقها . واعلم أن هذا المذهب مأخوذ عن أمير المؤمنين عليه السلام خاصة ، وعن الصحابة التابعين عامة ، ولهذا قال أبو حنيفة : لولا سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في أهل البغي ما كنا نعرف أحكامهم فعلى هذا يجب أن نقول في هذا الباب . فصل والغرض به الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحن أولا نبين حقيقة الأمر ، والنهي ، والمعروف ، والمنكر . أما الأمر ، فهو قول القائل لمن دونه في الرتبة افعل ، والنهي هو قول القائل لمن دونه لا تفعل . وأما المعروف ، فهو كل فعل عرف فاعله حسنه أو دل عليه ، ولهذا لا يقال في أفعال القديم تعالى معروف ، لما لم يعرف حسنها ولا دل عليه . وأما المنكر ، فهو كل فعل عرف فاعله قبحه أو دل عليه ، ولو وقع من اللّه تعالى القبيح لا يقال إنه منكر ، لما لم يعرف قبحه ولا دل عليه .