القاضي عبد الجبار الهمذاني
84
شرح الأصول الخمسة
ما بنا من النعم ، فلو لا أنها من فعله وإلا كان لا يكلفنا أن نشكره عليها أجمع ، لأن لك يكون قبيحا . فصل والغرض به الكلام في الوعد والوعيد وجملة ما يجب بيانه في هذا الفصل حقيقة الوعد والوعيد ، والخلف والكذب ، وما يتصل بذلك من علوم هذا الباب . أما الوعد ، فهو كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير أو دفع ضرر عنه في المستقبل . ولا فرق بين أن يكون حسنا مستحقا ، وبين أن لا يكون كذلك . ألا ترى أنه كما يقال إنه تعالى وعد المطيعين بالثواب ، فقد يقال وعدهم بالتفضيل مع أنه غير مستحق . وكذلك يقال : فلان وعد فلانا بضيافة في وقت يتضيق عليه الصلاة مع أنه يكون قبيحا ، وهكذا يقال إن أحدنا وعد غيره بتمليكه جميع ما يملكه حتى إنه يفقر نفسه مع أنه يكون قبيحا ، لقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] . وأما الوعيد ، فهو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير أو تفويت نفع عنه في المستقبل ، ولا فرق بين أن يكون حسنا مستحقا ، وبين أن لا يكون كذلك ، ألا ترى أنه كما يقال : إن اللّه تعالى توعد العصاة بالعقاب ، قد يقال توعد السلطان الغير بإتلاف نفسه وهتك حرمه ونهب أمواله ، مع أنه لا يستحق ولا يحسن . ولا بد من اعتبار الاستقبال في الحدين جميعا ، لأنه إن نفعه في الحال أو ضره مع القول ، لم يكن واعدا ولا متوعدا . وأما الكذب ، فهو كل خبر لو كان له مخبر لكان مخبره لا على ما هو به . وقولنا لو كان له مخبر ، هو أن في الأخبار ما لا مخبر له أصلا ، كالخبر بأن لا ثاني مع اللّه تعالى ولا بقاء ، وغير ذلك . وأما الحلف فهو أن يخبر أنه يفعل فعلا في المستقبل ثم لا يفعله ، ثم إن الحلف ربما يكون كذبا بأن يخبر عن نفس الفعل ثم لا يفعله ، وربما لا يكون كذبا بأن يخبر عن عزمه على الفعل ثم لا يفعله . ولهذا فإنه لما استحال العزم على اللّه تعالى ، لم يكن الخلف في حقه إلا كذبا تعالى اللّه عنه علوا كبيرا .