القاضي عبد الجبار الهمذاني

56

شرح الأصول الخمسة

وهذه الدلالة مبنية على أربع دعاوى : أحدها ، أن في الأجسام معاني هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، والثانية ، أن هذه المعاني محدثة . والثالثة ، أن الجسم لم ينفك عنها ولم يتقدمها . والرابع ، أنها إذا لم ينفك عنها ولم يتقدمها وجب حدوثه مثلها . ولهذه الدعاوى ترتيب ، فالأولى يجب أن تكون متقدمة ، والأخيرة يجب أن تكون متأخرة ، والدعويان اللتان هما في الوسط لا ترتيب فيهما . وإنما قلنا إن الأولى يجب تقديمها ، لأنها كلام في إثبات هذه المعاني وما لم نعلمها لا يمكننا وصفها لا بالحدوث ولا بالقدم ، كما أنا إذا لم نعلم زيدا لا يمكننا وصفه بأنه طويل ولا بأنه أسود . وأما الأخيرة فإنما وجب تأخيرها لأنها كلام في أن الجسم إذا لم ينفك من المحدث ولم يتقدمه وجب حدوثه مثله ، وما لم تثبت الدعاوى الثلاث من قبل لا معنى لهذا الكلام . وأما اللتان هما في الوسط فلا ترتيب فيهما ، لأنهما كلام في أوصاف هذه المعاني ، ومتى عرفناها إن شئنا وصفناها أولا بالحدوث ، وإن شئنا وصفناها بأن الجسم لم يخل منها . فإن قيل : ولم سميتم هذه الوجوه دعاوى ؟ قلنا : لأن الدعوى كل خبر لا يعلم صحته وفساده إلا بدليل ، وهذه حال كل واحدة من هذه الوجوه . الكلام في إثبات الأكوان الغرض به الكلام في الدعوى الأولى من الدعاوى الأربع ، وهو الكلام في إثبات الأكوان التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، والخلاف فيه مع الأصم وجماعة من الملحدة . وتحرير الدلالة على ذلك ، هو أن الجسم حصل مجتمعا في حال كان يجوز أن يبقى مفترقا والحال واحدة ، والشرط واحد ، فلا بد من أمر ومخصص له ولمكانه حصل مجتمعا ، وإلا لم يكن بأن يحصل على هذا الوجه أولى من خلافه ، وليس ذلك الأمر إلا وجود معنى . فإن قيل : ومن أين أن هذا الجسم حصل مجتمعا في حال كان يجوز أن يكون مفترقا ؟ قلنا : هذا الحكم معلوم ضرورة في الأجسام الحاضرة التي اختبرناها وسبرناها ، وأما في الأجسام الغائبة فيعلم بالرد إلى الأجسام الحاضرة . فنقول : إنما