القاضي عبد الجبار الهمذاني

544

شرح الأصول الخمسة

ذكرناه ، فإن من الممكن أن نقطع على استحقاقنا للعقوبة ولا يمكننا القطع على استحقاقنا للثواب وكوننا من أهل الجنة إلا سمعا . ولا خلاف في هذا وإنما الخلاف في علته ، فالذي قاله الشيخ أبو علي في علة ذلك : أن الطريق إلى ذلك ليس إلا علمه بأنه أدى ما وجب عليه ، ولا يعلم أنه أدى ما وجب عليه الآن إلا في الحالة الثانية ، وفي الحالة الثالثة لا يعلم أنه هل أدى ما وجب عليه في تلك الحالة إلا بعدها فلا ينتهي إلى حالة يعلم ذلك من نفسه ، فلهذا تعذر عليه العلم باستحقاقه للثواب وكونه من أهل الجنة . وأبو هاشم يقول : إن كانت هذه العلة علة صحيحة فكذلك ، وإلا فالحكم معلوم ولا أعلله ، ولا مانع يمنع من ذلك وسنرى هذا الكلام في غير هذا الموضع إن شاء اللّه . ومن ذلك ، الكلام في أن الإيمان هل يزيد وينقص ؟ وجملة ذلك أن المرجع بالإيمان إذا كان إلى أداء الطاعات الفرائض منها والنوافل وإلى اجتناب المقبحات فإن ذلك مما يدخله الزيادة والنقصان بلا إشكال ، والذي يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ الآية ، وقوله تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، وأيضا قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) إلى قوله : هُمْ فِيها خالِدُونَ ووجه دلالته على ما ذكرناه واضح . ويدل عليه أيضا قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان بضع وسبعون خصلة أعلاها كلمة أن لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » ، وقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان وحج بيت اللّه » ومما يدل على ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه » وقوله : « المؤمن من أمن جاره بوائقه » وقوله : « لا إيمان لمن لا أمانة له » . هذه كلها كما ترى تدلك على أن الإيمان ما ادعيناه ، وكما تدل على ذلك فإنها تدل على أنه يزيد وينقص . ومن ذلك ، الكلام في أن أحدنا هل يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى ؟ والأصل فيه أنه يجوز ، بل لا يجوز خلافه ، وقد خالفنا في ذلك جماعة من الكرامية ، ونحن فقد ذكرنا ما في هذا اللفظ في باب الإرادة ، وبينا أن معناه قطع الكلام عن النفاذ ، وقد يرد ويراد به الشرط وذلك في نحو قول أحدنا : أنا أحج بيت اللّه إن شاء اللّه تعالى ، وأزور قبر الرسول إن شاء اللّه ، فإنه والحال هذه يعني به الشرط ويكون