القاضي عبد الجبار الهمذاني

527

شرح الأصول الخمسة

الذين جعلوا القديم مجبولا على فعل الخير بحيث لا يقدر على قبيح حتى أنه لا يصح أن ينفرد اللّه تعالى بالظلم ، والشيطان مجبول على الشر بحيث لا يمكنه مفارقته والانفكاك عنه . ولجعفر بن حرب كلام في هؤلاء المجبرة هذا موضعه ، فقد ذكر أن حالهم أسوأ من حال سائر أرباب الملل ، وذلك ظاهر ، فإن كل فرقة من الفرق لا يضيفون إلى معبودهم إلا ما اعتقدوا فيه الحسن سواهم . ألا ترى أن الملحدة لما اعتقدت قبح هذه الصور قالوا : لو كان هاهنا صانع حكيم لما جاز أن يخلق مثل هذه الصور القبيحة لأنه يقدح في حكمته ، فنفوا الصانع كيلا يلزمهم إضافة القبيح إليه . وكذلك فإن اليهود لما اعتقدوا حسن القول بنبوة موسى عليه السلام والعمل بما في التوراة ، وقبح الصيد في السبت ، وتحريم المكاسب فيه ، أضافوا إليه الأول ونفوا عنه الثاني . وكذلك ، فإن النصارى لما اعتقدوا حسن القول بالتثليث وقبح ما عداه أضافوا الأول إليه ونزهوه عن الثاني . وهؤلاء المجبرة مع علمهم بقبح هذه المقبحات أضافوها إلى اللّه تعالى من غير حشمة ولا مراقبة ، حتى أنك تراهم يفتخرون بذلك ، ولا يأنفون منه فقد صار حالهم أسوأ من حال سائر الكفرة . ومما يوضح لك سوء حالهم في الإسلام ، أنهم بإضافتهم الأفعال كلها حسنها وقبيحها إلى اللّه تعالى ، سدوا على أنفسهم طريق معرفته أصلا ، فإن الطريق إلى إثبات المحدث في الغائب هو إثبات المحدث في الشاهد على ما مضى في غير موضع . وكذلك ، فبنسبتهم القبائح إليه أخرجوا أنفسهم من صحة العلم بنبوة الأنبياء فإن صحة العلم بذلك يترتب على عدل اللّه وحكمته ، وأنه لا يختار القبح ولا يفعله ولا يصدق الكذابين ولا يظهر عليهم الأعلام المعجزة ، فصار حالهم لهذه الوجوه شرا من حال سائر المبطلين من الملحدة والمجسمة وغيرهم . أفعال العباد لا توصف أنها من اللّه : وقريب من هذه الجملة الكلام في أن أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنها من