القاضي عبد الجبار الهمذاني
510
شرح الأصول الخمسة
فإن قيل : إن هذا الذي ذكرتموه إنما يدل على فساد ما يقوله هؤلاء ، فما دليلكم على صفحة ما اخترتموه مذهبا . قلنا : الإجماع ، فقد اتفقت الأمة على اختلافها في أعيان الأئمة أنه لا بد من إمام يقوم بهذه الأحكام وينفذها ، وإجماع الأمة حجة لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « عليكم بالسواد الأعظم » ، وقوله : « لا تجتمع أمتي على الضلالة » . ومما يدل عليه أيضا آية المشاقة والاستدلال بها مشروح في مجموع العمد . صفات الإمام : وأما الفصل الثالث : في صفات الإمام ، اعلم أن الإمام يجب أن يكون من منصب مخصوص خلاف ما يحكى عن طائفة من الخوارج ، ولا يكفي هذا القدر حتى يكون فاطميا ، ثم لا يجب أن يكون حسنيا أو حسينيا بل الذي لا بد منه هو أن يكون من أحد البطنين ، ويجب أن يكون مبرزا في العلم مجتهدا ولا خلاف فيه وإنما اختلفوا في القاضي . وقد حكي عن أبي حنيفة ، أنه لا يجب في القاضي أن يكون مجتهدا ، وإن كان قاضي القضاة استبعد عنه هذه الحكاية وقال : إنما أراد به أنه ليس يجب أن يكون حافظا لكتب الفقهاء وترتيب أبوابها ، وهكذا غرضنا إذا اعتبرنا كون الإمام مجتهدا ، فليس من ضرورته أن يكون حافظا لكتب الفقهاء وحكاياتهم وترتيب أبواب الفقه بل إذا كان بحيث يمكنه المراجعة إلى العلماء وترجيح بعض أقوال بعضهم على البعض كفى ، غير أنه لا يكون على هذا الوصف حتى يعلم شيئا من اللغة ، ليمكنه النظر في كتاب اللّه تعالى ومعرفة ما أراده بخطابه وما لم يرده ، وإن كان في معرفة مراد اللّه بخطابه وغير ذلك يحتاج إلى أمور أخر غير العلم بالعربية المجردة ، وهو أن يكون عالما بتوحيد اللّه تعالى وعدله ، وما يجوز على اللّه تعالى من الصفات وما لا يجوز ، وما يجب له من الصفات وما لا يجب ، ويكون عالما بنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فإذن قولنا ينبغي أن يكون مجتهدا يجمع هذه الأمور كلها . ولا بد مع هذه الشرائط أن يكون ورعا شديدا ، يوثق بقوله ويؤمن منه ويعتمد عليه ، وأن يكون ذا بأس وشدة وقوة قلب وثبات في الأمور . فهذه جملة ما يعتبر من الأوصاف في الشخص حتى يصلح للإمامة .