القاضي عبد الجبار الهمذاني

496

شرح الأصول الخمسة

وجوابنا ، أن ما قدمناه من الدلالة يدل على العذاب ولا بد له من معذب ، ثم إن المعذب يجوز أن يكون هو اللّه تعالى ويجوز أن يكون غيره ، هذا في العقل . غير أن السمع ورد بأنه يكل ذلك إلى ملكين : يسمى أحدهما منكرا والآخر نكيرا ، ولا شيء في ذلك مما يدعونه علينا ، لأن هذا بمنزلة غيره من الألقاب التي لاحظ لها في إفادة المدح والذم والثواب والعقاب ، وهو جار على طريق العرب وتسميتهم أبنائهم وأعزتهم بالصخر والكلب والذئب وغير ذلك من غير أن يفيدوا به مدحا ولا ذما ، بل لكي يقوم مقام الإشارة على ما هو موضوع التلقيب . وعلى أنا لو جعلنا هذا الاسم من الأسماء المفيدة ، فإنه ليس يفيد قولنا منكر أكثر من أن الغير لا يعرفه ، وبأن لا يعرف شخص من الأشخاص ملكا من الملائكة لم يدخل الملك في استحقاق الذم ، وهكذا في قولنا نكير ، فإنه فعيل بمعنى مفعل ، وفعيل بمعنى مفعل شائع ، قال الشاعر : وقصيدة تأتي الملوك حكيمة أي محكمة ، فهذه طريقة القول في هذا الفصل . فصل أحوال القيامة : وقد اتصل بهذه الجملة الكلام في أحوال القيامة ، وما يجري هناك من وضع الموازين والمسألة والمحاسبة وإنطاق الجوارح ونشر الصحف ، وما جرى هذا المجرى . وجملة ذلك أن كل هذه الأمور حق يجب اعتقاده والإقرار به . أما وضع الموازين ، فقد صرح اللّه تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ الأنبياء : 47 ] . وقوله : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ [ المؤمنون : 102 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى ، ولم يرد اللّه تعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف فيما بيننا دون العدل وغيره على ما يقوله بعض الناس ، لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ ، فذلك على طريق التوسع والمجاز ، وكلام اللّه تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز .