القاضي عبد الجبار الهمذاني
490
شرح الأصول الخمسة
إن أكثر ما في ذلك هو أنه قسم الكلام قسمين فمن أين أنه لا ثالث لهما ، وقد ذكرنا أن إثبات صنفين لا يدل على نفي ثالث . بيانه ، قال اللّه تعالى في قسمة الحيوانات : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ] ثم لا يدل على أن المشاة لا يخرجون عن هذه الأقسام ، كذلك فيما أورده . وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ : ومن جملتها قوله تعالى : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [ العنكبوت : 54 ] بيّن القديم تعالى أن الذين تحيط بهم النار إنما هم الكفرة ، ولا شك أن الفاسق ممن تحيط به النار فيجب أن يكون كافرا . والجواب ، أن الآية تدل على أن النار محيطة بالكفرة ، فمن أين أنها لا تحيط بالفسقة مع الكفرة ؟ وفيه وقع الخلاف . يبين ذلك ، أن القائل إذا قال : الدار محيطة بالعلماء ليس يجب أن لا يكون في الدار إلا العلماء ، بل يجوز ألا يكون فيها العلماء وغير العلماء ، كذلك هاهنا . فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ : وأحد ما يتعلقون به قوله تعالى : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ الآية إلى قوله : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) [ المؤمنون : 105 ] قالوا : بين اللّه تعالى أن من خفت موازينه فهو كافر ، والمعلوم أن موازين أهل الكبائر قد خفت فيجب أن يكونوا كفرة . وجوابنا ، أن الذي يقتضيه ظاهر الآية ، ليس إلا أن من خفت موازينه فهو خاسر ، ونحن نقول : إن صاحب الكبيرة خاسر ، ومتى قالوا : إن الآية وردت في شأن الكفار ، فقد قال تعالى بعدها : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) كان الجواب ، أن هذه الآية مستقلة بنفسها منفصلة عما قبلها فكيف يصح ما ذكرتموه ؟ وبعد ، فلا خلاف بيننا وبينكم أن صاحب الكبيرة ليس من المكذبين بآيات اللّه تعالى ، فكيف يمكن هذا الاستدلال . ومن جملة ما يذكرونه ، قوله تعالى : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ قالوا : يبين اللّه تعالى أنه لا ييأس من رحمة اللّه إلا