القاضي عبد الجبار الهمذاني

488

شرح الأصول الخمسة

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ : وأحد ما يتلقون به قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] قالوا بيّن اللّه تعالى أن تارك الحج كافر وفي ذلك ما نريده . قلنا : لا تعلق لكم به فإنه لم يقل وللّه على الناس حج البيت ومن ترك فهو كافر ، وإذا أخذتم في تفسيره وحمله على ما تذهبون إليه فسرناه على الحد الذي يوافق الأدلة ، فنقول : إن المراد به ومن ترك ذلك على وجه الاستحلال فهو كافر ، ولا شك في كفر من هذا سبيله . يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ : ومن جملتها ، قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) [ آل عمران : 106 ] قالوا : بيّن أن مسودي الوجوه إنما هم الكفرة ، ولا إشكال في كون الفساق من مسودي الوجوه فيجب أن يكونوا كفرة . وجوابنا ، أن الآية لا تعم سائر الكفرة ، لأنه تعالى قال : أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ، فما قولكم في الكافر الأصلي ؟ وكل ما هو اعتذاركم عن ذلك فهو عذرنا هاهنا ، ثم نقول لهم : ليس في تخصيص اللّه تعالى بعض مسودي الوجوه بالذكر ما يدل على أن لا مسودي الوجوه ، غيره ، فإن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه على ما نسمي مثاله فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى : ومن جملتها ، قوله تعالى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) قالوا : بين اللّه تعالى أن النار لا يدخلها إلا كافر ، وبالاتفاق إن صاحب الكبيرة من أهل النار فيجب أن يسمى كافرا . وجوابنا ، لا تعلق : لكم بظاهر الآية لأنه قال : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وليس هذا حال الفاسق ، فإذا لو كنا مستدلين بها عليكم لكان أولى . وبعد ، فأكثر ما فيه أن جهنم نارا لا يصلاها إلا الأشقياء الذين ذكرهم اللّه تعالى ، فمن أين أنه ليس هناك نيران أخر يصلاها غير الموصوفين بهذه الصفة ، فقد ذكرنا أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه .