القاضي عبد الجبار الهمذاني
481
شرح الأصول الخمسة
اعلم أن الكفر في أصل اللغة إنما هو الستر والتغطية ، ومنه سمي الليل كافرا لما ستر ضوء الشمس عنا وقال الشاعر : حتى إذا ألقت ذكاء يمينها في كافر وقال آخر : حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها ومنه سمي الزراع كافرا لستره البذر في الأرض ، قال اللّه تعالى : لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ التوبة : 120 ] أي الزراع ، هذا في اللغة . وأما في الشرع فإنه جعل الكافر اسما لمن يستحق العقاب العظيم ، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين ، وله شبه بالأصل ، فإن من هذه حالة صار كأنه جحد نعم اللّه تعالى عليه وأنكرها ورام سترها . إذا ثبت هذا ، ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم ، ولا تجري عليه هذه الأحكام ، فلم يجز أن يسمى كافرا . الكلام على الخوارج : والأصل في الكلام على الخوارج أن نحقق عليهم الخلاف ، فنقول : إن هذا الخلاف إما أن يكون خلافا من جهة اللفظ ، أو من طريق المعنى . فإن خالفتمونا من حيث اللفظ ، وقلتم : إن صاحب الكبيرة يسمى كافرا فلا يصح ، لأنا قد ذكرنا أن الكافر اسم لمن يستحق العقاب العظيم ويستحق أن تجري عليه هذه الأحكام المخصوصة ، وليس كذلك الفاسق . وإن خالفتمونا من جهة المعنى ، وقلتم : إنه يستحق العقاب العظيم ويستحق إجراء هذه الأحكام عليه كالكافر سواء ، قلنا : إن هذا خلاف ما عليه الصحابة والتابعون ، فإنهم اتفقوا على أن صاحب الكبيرة لا يحرم الميراث ولا يمنع من المناكحة والدفن في مقابر المسلمين . هذا على الجملة ، وإذا أردت تفصيل ذلك فعليك بسيرة أمير المؤمنين عليه السلام في أهل البغي ، ومعلوم أنه لم يبدأ بقتالهم ولم يتبع مدبريهم ، وكذلك فلم يسمهم