القاضي عبد الجبار الهمذاني
48
شرح الأصول الخمسة
الانتفاع بها ، فيجب أن تكون أول نعمة على ما ذكرناه . الرد على من يقول : إن أول النعم هي الجملة التي يصير بها الحي حيا . فإن قيل : هلا كانت الجملة التي لا يصير الحي حيا إلا بها أول نعمة أنعم اللّه تعالى بها علينا ، فإن الحياة مترتبة في الوجود عليها ، قلنا : إن الجملة مما لا تأثير لها في صحة الانتفاع بها ، وإنما الحياة هي التي تؤثر في ذلك . وأيضا فإن النعمة لا بد من تميزها من المنعم عليه ، وهذه الجملة هي نفس المنعم عليها ، فلا يجوز أن تكون نعمة ، فضلا عن أن تكون أول نعمة . الرد على من يقول : إن الشهوة أول النعم فإن قيل : أوليس المنافع مترتبة على الشهوة حتى لولاها لما صح الانتفاع البتة ، قلنا : إنه وإن كان كذلك ، إلا أن الشهوة تترتب على الحياة في الوجود ، حتى لولا الحياة لما صح وجودها ، فلذلك قلنا إن الحياة أول نعمة . ثم تكلم رحمه اللّه في المنافع التي خلقها اللّه تعالى للحي ليعرضه لها . وجملة القول في ذلك ، أن المنافع التي خلقها اللّه تعالى للحي ليعرضه لها ثلاث : التفضل ، وهو النفع الذي لفاعله أن يوصله إلى الغير وله أن لا يوصله ؛ والعوض ، وهو النفع المستحق لا على سبيل التعظيم والإجلال والثواب ، وهو النفع المستحق على سبيل الإجلال والتعظيم . المنافع مستحقة أو غير مستحقة ولك أن تورد هذه القسمة على وجه يتردد بين النفي والإثبات وتتضمن معاني هذه الألفاظ فتقول : إن المنافع الواصلة إلى الغير إما أن تكون مستحقة أو لا ، فإن لم تكن مستحقة فهو التفضل ، وإلا إن كانت مستحقة فلا يخلو ؛ إما أن تكون مستحقة لا على سبيل التعظيم والإجلال فهو العوض ، وإن كانت مستحقة على سبيل الإجلال والتعظيم فهو الثواب . وأما التفضل فما من حي خلقه اللّه تعالى إلا وقد تفضل عليه وأحسن إليه بضروب المنافع والإحسان ، والعوض يوصله اللّه تعالى إلى المكلف وغير المكلف ، وأما الثواب فما لاحظ فيه لغير المكلف ، والمكلف مختص باستحقاقه ، فعلى هذا يجري الكلام في هذا الفصل .