القاضي عبد الجبار الهمذاني
46
شرح الأصول الخمسة
هذا ثوب كسانيه فلان وسكت ولم يكن شاكرا ، ولو عظم من دون الاعتراف ، فقال : فعل اللّه لفلان كذا ولم يذكر النعمة ولا اعتراف بها لم يكن شاكرا أيضا ، وإنما يكون شاكرا إذا جمع بين الأمرين جميعا فقال : هذا ثوب كسانيه فلان جزاه اللّه عني خيرا ، أو شكر له صنيعه وفعله . ثم إن هذا الشكر والاعتراف قد يكون باللسان والمرجع به إلى ما ذكرناه ولا يجب إلا إذا اتهم بكفران النعمة فأما أن يدينه بكل حال ، فلا . وقد يكون بالقلب ، والمرجع به إلى العلم بنعمة المنعم والعزم على إظهار شكرها إذا لحقته تهمة في ذلك ، وهذا مما يجب دائما ولا يسقط إلا عند سهو أو غفلة . وكما أن الشكر قد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، فقد يكون بضرب من الأفعال المخصوصة ، نحو هذه العبادات التي تتقرب بها إلى اللّه تعالى ، من صلاة وصيام وحج وجهاد ، فإنها جارية مجرى الشكر للّه تعالى على نعمه وأياديه إلا أن هذا الضرب من الشكر ليس يستحقه إلا اللّه تعالى لأنه إنما يؤدي على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع ، وذلك لا يستحق إلا على أصول النعم ، والقادر على أصول النعم ليس إلا اللّه تعالى ، فلذلك اختص باستحقاق هذا الضرب من الشكر . ثم إن المرء متى أتى بهذه العبادات ، وأدى هذا الشكر استحق من اللّه تعالى نفعا آخر ونعمة أخرى بخلاف الشكر منا إذا شكر أحدنا فإنه ليس يستحق من جهته شيئا آخر ، والسبب في ذلك هو أن اللّه تعالى هو الذي جعل الشكر شاقا علينا ، فلا بد أن يكون في مقابله ما يوفي عليه شكره ، وإلا كان ظلما ، وكان بمنزلته أن يكلف أحدنا غيره عملا شاقا ولم يوفر عليه أجرا ، فكما أن ذلك قبيح في الشاهد لكونه ظلما ، فكذلك في الغائب . وليس كذلك سبيل أحدنا فإنه لم يجعل الشكر شاقا على الغير ، وإنما اللّه تعالى جعله بهذه الصفة ، فلا جرم أن من شكره استحق عليه الثواب الجزيل ، والأجر العظيم . ولهذا فإنه تعالى لما أوجب علينا شكر الوالدين ، فمن شكر نعمهما البارءة الوالدة فإنه يستحق من اللّه تعالى نفعا آخر ونعمة أخرى . فعلى هذا يجرى القول في حقيقة النعمة والمنعم وما يتصل بهما . ونعود بعد هذه الجملة إلى الكلام في أول نعمة أنعم اللّه تعالى بها علينا .