القاضي عبد الجبار الهمذاني
454
شرح الأصول الخمسة
وجوابنا ، أن هذا الخبر لم تثبت صحته ، ولو صح فإنه منقول بطريق الآحاد ، وخبر الواحد مما لا يوجب القطع ، ومسألتنا طريقها العلم فلا يمكن الاحتجاج به . فإن قيل : كيف يمكن ادعاء أن هذا الخبر منقول بطريق الآحاد ، ومعلوم أن المرجئة على كثرتهم ينقلونه ، ويستدلون به على أن الفاسق لا يخلد في النار أبدا ، ويخرج منها . قيل له : إن كثرة نقلة الخبر في الطريق الأخير مما لا اعتبار به ، بل لا بد من أن يستوي طرفاه ووسطه ، ففسد هذا الكلام . ثم إنا نعارضهم بأخبار رويت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في هذا الباب ، من جملتها قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا نمام ولا عاق » وهذا يدفع ما احتجوا به في المسألة ، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من تردى من جبل فهو يتردى من جبل في نار جهنم خالدا مخلدا » ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالدا أبدا » أو قوله أيضا : « من يحتسي سما يحتسي سما في نار جهنم خالدا أبدا » إلى غير ذلك من الأخبار المروية في هذا الباب . ولئن أمكن ادعاء التواتر في الخبر الذي أورده ليتمكن به في هذه الأخبار فإن الحال فيها أظهر ، ونقلها أكثر . إنا نتأول هذا الخبر الذي أورده على وجه يوافق الأدلة ، فنقول : إن المراد : يخرج من النار ، أي يخرج من عمل أهل النار قوم ، ونظير ذلك موجود في كلام اللّه تعالى وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلّم . أما من كتاب اللّه تعالى ، فقوله تعالى : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها يعني على عمل من استحق ذلك . وأما من كلام الرسول عليه السلام ، فهو أنه مرّ بمؤذن يؤذن ويقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، فقال : على الفطرة ، فقال المؤذن : أشهد أن محمدا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلّم : خرج من النار ، أي من عمل أهل النار ، كذلك الحال هاهنا ، ولا يجوز غير ما ذكرناه . ومما يتعلق به المرجئة قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [ هود : 106 - 107 ] وتعلقهم بهذه الآية على بعدها من وجهين : أحدهما هو أنه علق دوام عقاب الأشقياء بدوام