القاضي عبد الجبار الهمذاني

447

شرح الأصول الخمسة

في مثاله قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وقوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وله نظائر أخر في القرآن ومنه قوله : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) بعد قوله : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فإحدى الجملتين عامة شاملة للمالكات البالغات وغيرهن ، والأخرى خاصة بالبالغات المالكات لأمر أنفسهن ، إذ العفو لا يصح إلا منهن ، ولم يمنع عموم إحداهما من خصوص الأخرى ، فكذلك الحال هاهنا . فإن قيل : لا ظاهر لهذه الآية ، لأن في الآية لفظة إن ، وهي لتحقيق الحال ، ولذلك يدخل في خبره اللام فيقتضي أن يكون المرء معاقبا في الحال ، وخلافه معلوم ، فليس إلا أن يعدل عن الظاهر ، فإذا عدلتم عن الظاهر وأخذتم في التأويل فلستم بأولى منا فنحمله على الاستحقاق . وجوابنا عن ذلك ، ليس الأمر على ما ظننتموه ، لأن « إن » كما يرد يرد لتحقيق الحال فقد يرد لتحقيق الخبر في المستقبل . بل الخبر في المستقبل إلى التحقيق أحوج إليه منه في الحال ، وعلى هذا قوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أورد في الكلام لفظة « إن » وأدخل اللام في خبره ، ولم يقصد به إلا تحقيق الحكم في المستقبل . وبعد ، فإن في الآية لفظة الخلود ، والخلود لا يتأتى إلا في المستقبل ، فكيف يقال إن ظاهر الآية يوجب أن يكون المجرم معذبا في الحال ؟ وبعد ، فإن أكبر ما فيه أن حمله على ظاهره لا يمكن ، أوليس لا بد من أن يحمل على المجاز الأقرب دون الأبعد ، فقد بينا أنه لا يجوز حمل خطاب اللّه تعالى على المجاز الأبعد مع إمكان حمله على المجاز الأقرب ، وأن حال المجاز الأبعد مع المجاز الأقرب كحال المجاز مع الحقيقة ، فكما أنه لا يحمل كلام اللّه تعالى على المجاز مع إمكان حمله على الحقيقة ، كذلك هنا . وإذا كان هذا هكذا ، ومعلوم أن حمله على أن يعذب في مستقبل الأوقات حمل له على المجاز الأقرب ، وليس كذلك الحال في ما إذا حمل على الاستحقاق . ومما يمكن الاستدلال به من عمومات الوعيد في كتاب اللّه تعالى كثير ، فإنه يمكن أن يستدل بقوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ الآية ، ويمكن الاستدلال بقوله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ويمكن أن يستدل بقوله تعالى : وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) الآية ، وفي ذلك كثرة على ما ذكرناه .