القاضي عبد الجبار الهمذاني

426

شرح الأصول الخمسة

البتة ، وعلى هذا المعنى قال تعالى : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ وصار حاله كحال من خاط لغيره ثوبا ثم فتقه قبل أن يسلمه إلى صاحبه ، فإنه لا يستحق على الخياطة الأجرة لما قد أفسدها على نفسه بالفتق ، كذلك هاهنا . وربما استدل على ذلك بقوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ الآية . ويقول : لولا أن الأمر في ذلك على ما ذكرته وإلا كان لا يصح ما ذكره اللّه تعالى في أعمال الكفار والمرتكبين للكبائر ، وربما يقول : إن الثواب إذا سقط فإنما يسقط إما بالندم على ما أتى به من الطاعة ، أو بعقاب أعظم منه ، ثم سقط بالندم الكل ، فكذلك إذا سقط بالعقاب الذي هو أعظم منه وجب أن يسقط الكل ، فلا فرق بينهما في قضية العقل . والأصل في الجواب عن ذلك . أما ما ذكره أولا ، وهو أن الفاسق لإقدامه على المعاصي وارتكابه الكبائر أخرج نفسه من أن يستحق الثواب فلا يصح ، لأن الفاسق أتى بالطاعة على الوجه الذي كلف وأمر به ، وعلى حد لو تفرد عن الكبيرة لكان يستحق عليها الثواب ، وارتكابه الكبيرة بعد ذلك لا يخرجه من أن يكون مستحقا للثواب ، ففسد ما ظنه . وأما ما أورده في مثال ذلك فلا يصح أيضا ، لأن الخياط لم يستحق الأجرة من حيث أنه إنما يستحق الأجرة على تسليم العمل ، ولم يسلمه ، بل فتقه قبل التسليم ، حتى لو قدرنا أن فتق بعد التسليم لكان يسلك في ذلك طريقة الموازنة على ما نقوله ، وقوله تعالى : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ فإنا لا ننكره فهو كلام اللّه تعالى ووحيه وتنزيله ، إلا أنه لا يقتضي إلا الإحباط على الحد الذي نقوله دون ما ذهب إليه ، فذلك محض الظلم واللّه تعالى منزه عنه ، وأما قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا الآية . فإنه لا تعلق له بظاهره لأن الهباء إنما يستعمل في أجسام رقيقة ، وأفعال العباد أعراض ، فكيف تجعل أجساما ، وهل ذلك إلا قلب الأجناس ؟ ومتى عدل عن الظاهر واشتغل بالتأويل لم يكن هو به أحق منا فنتأوله على وجه يوافق دلالة العقل والشرع ، فنقول : إن المراد أن الفاسق لا يستحق بأعماله الثواب على الحد الذي كان يستحقه لو لم يدنسه بالمعصية الكبيرة ، فلا ينفع به كما لا ينفع بالهباء المنثور . وأما ما ذكره من أن الثواب إنما يسقط بالندم أو بعقاب أعظم منه ، ثم إذا سقط بالندم سقط كله ، وكذلك إذا سقط بالعقاب وجب أن يسقط كله ، فجمع بين أمرين من غير علة جامعة فلا يصح ، ثم يقال : إن الندم إنما أثر في سقوط الثواب بأجمعه ، لأنه بذل المجهود في تلافي ما وقع منه حتى يصير في الحكم كأنه لم يفعل ما قد فعل ،