القاضي عبد الجبار الهمذاني
41
شرح الأصول الخمسة
يخافون العذاب على الحقيقة ، وإنما خوفهم خوف توقي وحذر ، على ما قاله شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه تعالى . هلا تكون مشاهدة الأدلة والنظر في أحوال القادرين أول الواجبات فإن قيل : هلا جاز أن تكون مشاهدة الأدلة والنظر في أحوال القادرين أول الواجبات ؟ قلنا : المشاهدة مما لا يقف على اختيار المكلف ، بل يحصل على طريقة الوجوب ، والمكلف إذا بلغ كمال العقل لا بدّ من أن يشاهد الأدلة ويعرفها ضرورة فلا يحتاج إلى نظر في ذلك ولا استدلال ، فلو أنه محتاج إلى ذلك فإنا لم نقيد النظر بل أطلقنا وقلنا : النظر في طريق معرفة اللّه تعالى أول الواجبات ، فحصل من هذه الجملة أن النظر في طريق معرفة اللّه تعالى أول الواجبات العقلية على المعنى الذي تقدم . وأما الواجبات الشرعية فعلى ما ذكره رحمه اللّه في الكتاب قسمان : أحدهما ما هو من باب الوصف والقول والعبارة ، والآخر ما هو خارج عن هذا الباب . أما الأول : فهو كالإقرار بالشهادتين وما يجري هذا المجرى ، والثاني : هو من باب الصلاة والصيام والحج وما شاكل ذلك . وكلا الوجهين متأخر عن معرفة اللّه تعالى . أما الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات فالشرط فيها إيقاعها على وجه القربة والعبادة ، وذلك لا يحسن إلا بعد العلم باللّه وتوحيده وعدله . وأما الإقرار بالشهادتين فلا شك في أنه متأخر عن معرفة اللّه تعالى ، لأنا لو خلينا وقضية العقل ما كنا نوجب الإقرار بذلك إلا عند من لحقته تهمة في دينه فهو إذا أمر شرعي ، والتكاليف الشرعية لا شك في تأخرها عن معرفة اللّه تعالى وتوحيده وعدله ، هذا وجه ومن وجه آخر ، إن الأمر بالشهادتين صورته ، « أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه » وهذا قول يحتمل الصدق والكذب ، متردد بينهما ، فالمقر بهما لا بدّ من أن يكون على بصيرة مما يقربه بحيث لا يجوز خلافه حتى يحسن منه ذلك وإلا قبح . فقد بان بهذه الجملة مصداق ما قاله رحمه اللّه : أن سائر الشرائع من قول وفعل لا يحسن إلا بعد معرفة اللّه تعالى وثبت أن معرفة اللّه تعالى لا تحصل إلا بالنظر فيجب أن يكون النظر أول الواجبات .