القاضي عبد الجبار الهمذاني
388
شرح الأصول الخمسة
ربما يسمعون كلام الحجاج لكن لا على حد استماعهم كلام غيره ، فقد جعلت الطباع على الإصغاء إلى كلام الرئيس دون المرءوس ، فإنك تعلم أن محفلا من المحافل لو اشتمل على الرأس والذنب ، وتكلم كل منهم بكلام ، فإن إصغاء أهل المحفل إلى كلام الرئيس فأما القبول فلا ، ففسد ما ظنوه . قالوا : جوزوا الكبيرة على الرسول سرا وبحيث لا يطلع عليه أحد ، فإنه والحال هذه مما لا ينفر عنه . قيل : إن الرسول لا بد من أن يرسل اللّه تعالى إليه رسولا آخر ، فمتى جوز عليه الكبيرة قياسا على نفسه ، لم يكن أقرب إلى القبول منه . وعلى أنا إذا جوزنا الكبيرة على الأنبياء نفرنا ذلك عن القبول منهم كما لو قطعنا على ذلك فصح أن الكبيرة غير جائزة على الأنبياء لا قبل البعثة ولا بعدها ، وكما لا يصح عليهم الكبيرة فكذلك لا يصح عليهم شيء في المنفرات على ما سبق ، نحو الكذب والسرقة ونحو دمامة الخلقة وقبح المنظر ، بحيث ينفر ، وليس يمتنع فيما ينفر في زمان ألا ينفر في زمان آخر ، فإن للأزمنة والعادات تأثير في ذلك . فأما الصغائر التي لاحظ لها إلا في تقليل الثواب دون التنفير ، فإنها مجوزة على الأنبياء ، ولا مانع يمنع منه ، لأن قلة الثواب مما لا يقدح في صدق الرسل ولا في القبول منهم . وقد ذكر بعد هذا ، أن البعثة لا بد من أن تكون لطفا لنا ، وكما تكون لطفا فلا بد أن تكون لطفا للمبعوث ، لأنه لا يجوز من الحكيم تعالى أن يحمل المكلف مشقة لنفع مكلف آخر فقط ، وذلك صحيح على ما تقدم . وذكر أنه تعالى إذا علم أن صلاحنا في بعثة شخص واحد بعينه وجب أن يبعثه بعينه ولا يعدل عنه إلى الغير ، وإذا علم أن صلاحنا في بعثة شخصين وجب بعثتهما لا محالة ، ولا يجوز له الإخلال بها ، وكذلك إذا علم أن صلاحنا في بعثة جماعة وجب أن يبعث الكل فأما إذا علم أن الصلاح معلق ببعثة كل واحد من الجماعة على انفراد ، فإنه يكون بالخيار ، إن شاء اختار هذا ، وإن شاء اختار غيره ، وليس يلزمه بعثة الأفضل إذا كان هو والمفضول سواء في المصلحة ، هذا قبل البعثة ، فأما بعدها فإن المبعوث يصير أفضل لا محالة بتحمله الرسالة . وقد اتفقت الأمة على أن المبعوث يكون أفضل من غير المبعوث لا محالة . وقد أورد رحمه اللّه بعد هذا الجملة ، الكلام في نسخ الشرائع .