القاضي عبد الجبار الهمذاني

373

شرح الأصول الخمسة

المعاني ، وذلك محال . وأيضا ، فإنه تعالى قد منّ على رسوله موسى عليه السلام بقوله : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [ الأعراف : 144 ] فالامتنان لا يقع إلا بالمحدث دون القديم . وأيضا ، فإنا نقول لهم : ما تقولون فيما نتلوه ونسمعه في المحاريب ونكتبه في المصاحف ؟ أفتقولون : إنه كلام اللّه تعالى ؟ فإن قالوا : لا فقد انسلخوا عن الدين وخلعوا ربقة الإسلام عن أعناقهم ، وأخرجوا كلام اللّه تعالى من أن يصح الرجوع إلى في الأحكام وتمييز الحلال من الحرام ، وردوا على اللّه قوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] وعلى النبي صلى اللّه عليه وآله قوله : « إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي » فإن هذا هو المتروك فيما بيننا دون ما هو قائم بذات الباري . فإن قالوا : نعم ، ولا بد لهم من ذلك ، فلا شك في حدوثه . فإن قالوا : إن تحصيل مذهبنا في ذلك هو أن هذا حكاية كلام اللّه تعالى . قلنا : إن هذا بخلاف ما عليه الأمة ، وعلى أنه كان يجب أن يكون محدثا ، لأن الحكاية يجب أن تكون من جنس المحكى ، والجنس الواحد لا يجوز أن يشتمل على القديم والمحدث . فإن قالوا : إن هذا عبارة كلام اللّه تعالى ، قلنا لهم : إن العبارة أيضا يجب أن تكون من جنس المعبر عنه ، خاصة إذا كانا كلامين ، وذلك يقتضي حدوثه على ما نقوله ، فهذه جملة الكلام في أنه تعالى لا يجوز أن يكون متكلما بكلام قديم . وإذ قد عرفت ذلك ، فاعلم أن في الناس من ذهب إلى أنه تعالى متكلم لذاته ، وهو محمد بن عيسى الملقب بالبرغوث ، والذي يدل على فساد مذهبه في هذا الباب ، أن المتكلم بما بيناه إذا كان فاعل الكلام لا أن له بكونه كذلك حالا ، فمن أثبت اللّه تعالى متكلما لذاته فقد أخرجه عن كونه متكلما أصلا ، وصار الحال فيه كالحال فيما إذا قلنا إنه تعالى قادر لذاته عالم لذاته ، فكما أن ذلك يقتضي نفي القدرة والعلم عن اللّه تعالى ، وإن كان لا يفيد خروجه عن كونه عالما قادرا ، لما كان للعالم بكونه عالما حال ، وللقادر بكونه قادرا حال ، كذلك في مسألتنا . ويدل على ذلك أيضا ، هو أنه لو كان متكلما لذاته لوجب أن يكون متكلما بسائر ضروب الكلام وأجناسه ، لأن ضروب الكلام وأجناسه غير مقصورة على بعض