القاضي عبد الجبار الهمذاني

366

شرح الأصول الخمسة

على محله ، منه يسمع وعليه يضاد ضده ، فلو وجد لا في محل لانقلب جنسه ، وذلك محال . وأيضا ، فلو صح وجوده لا في محل وقدرنا فيه التضاد ، لكان لا يخلو حال الكلامين وقد وجدا لا في المحل من أن يتضادا أو لا يتضادا ، فإن لم يتضادا مع أن وجود أحدهما على حد وجود الآخر ، لم يصح ، لأن ذلك يقتضي قلب جنسهما ، وإن تضادا كان يجب أن يكون تضادهما على مجرد الوجود ، وذلك يوجب أن لا يصح وجود كلامين مختلفين في العالم ، وقد عرف خلافه . فصح لك في هذه الجملة أن الكلام لا يصح وجوده لا في محل . وإما أن يثبتوه موجودا في غيره وذلك يقتضي حدوثه ، لأن القديم لا يحل المحدث ، ومحله إذا وجد فلا بد من أن يكون غير اللّه تعالى لاستحالة أن يكون اللّه تعالى محلا لشيء من الأشياء . ثم لا يجب أن يكون مبنيا بنية مخصوصة على ما يحكي عن أبي علي ، وكان يذهب إليه أبو هاشم أولا ثم رجع عنه وقال : إن حكمه مقصور على محله على ما ذكرنا ، وما هذا سبيله فلا حاجة به إلى أزيد من محله ، اعتبر به بالسواد وغيره من المعاني التي يكون حكمها مقصورا على محلها . ولهذه الطريقة لم يجب في محله أن يكون متحركا لا محالة ، على ما يحكى عن أبي علي أن به حاجة إلى الحركة . يبين ما ذكرناه ويوضحه ، أنه لو احتاج إلى الحركة لكان لا وجه له إلا أن الحركة سبب فيه ، وليس كذلك ، فإن سببه على الصحيح من المذهب إنما هو الاعتماد بشرط الصّكة التي يرجع بها إلى تأليف بين جسمين صلبين عقيب حركات متوالية ، أو حركات تقل السكنات بينها ، وإنما كان هكذا لأنه يوجد بحسب الاعتماد الذي وصفناه ، يقل بقلته ويكثر بكثرته ، فلو جاز والحال هذه أن يكون سببه غيره لكان لا يمكننا أن نثبت شيئا من الأسباب . وبعد ، فإننا إذا ضربنا جوزة على سندانة فإنا نسمع منها صوتا ، فقد وجد الصوت ولا حركه ، ولو كان محتاجا إليها لم نجد ذلك . ومتى قيل : إن الصوت في السندات إنما تولد من حركة الجوزة ، قلنا : إن الحركة لا جهة لها ، فلو ولدت الصوت لولدته في محلها ، وإلا لم تكن بالتوليد في هذه الجهة