القاضي عبد الجبار الهمذاني

339

شرح الأصول الخمسة

فقد حصل من ذلك أن العوض قد ينتقل من فاعل الألم إلى غيره كما ذكرناه . إن التائب إذا أقيم عليه الحد فإنما يستحق العوض على اللّه تعالى لا على الإمام مع أنه هو الذي آلمه ، ولذلك أخذنا في الوجوه الذي ينتقل بها العوض من فاعل الألم إلى غيره . انتقال العوض من فاعل الألم إلى غيره وجملة ذلك ، أن العوض ينتقل من فاعل الألم إلى المبيح ، والنادب ، والموجب ، والملجئ ، ولكل من ذلك مثال نذكره . أما مثال الإباحة ، فهو كذبح البهائم ، فإن البهائم إنما تستحق العوض على اللّه تعالى إذا ذبحناها ، دوننا ، من حيث أنه هو المبيح لذلك . ومثال الندب ، هو كالأضاحي فإنها تستحق العوض على اللّه تعالى ، دوننا ، لما كان اللّه تعالى هو الذي ندبنا إليه . ومثال الإيجاب ، فهو كالهدايا ، فإنه لما كان تعالى الموجب لذبحها استحقت العوض عليه تعالى ، دوننا . ومثال الإلجاء ، هو أن يلجئ أحدنا صاعقة أو برد حتى يعدو على زرع غيره فيفسده ، فإن صاحب الزرع يستحق العوض ، إلا أنه إنما يستحقه على اللّه تعالى ، دون من يعدو على زرعه ، لأن اللّه تعالى هو الذي ألجأه إلى العدو . ولا يختلف الحال في هذه الوجوه بيننا وبين القديم ، فإن أحدنا لو أباح أو أوجب أو ألجأ غيره إلى إيلام الغير ، لكان العوض ينتقل إليه على الحد الذي انتقل إلى اللّه حين أوجب أو ألجأ ، ولهذا فإن سبعا لو ألجأ أحدنا إلى العدو على زرع الغير ، فإن صاحب الزرع إنما يستحق العوض على السبع إذ السبع هو الملجئ إلى ذلك ، وإن كنا نعتبر في الملجئ أن لا يكون ملجأ ليستحق العوض عليه ، لأنه لو كان ملجأ كان العوض على من ألجأ الأول . فإن قيل : كيف يصح استحقاق العوض على السبع مع أنه غير كامل العقل ؟ وجوابنا : إن كمال العقل غير معتبر في ذلك لأنه جار مجرى أروش الجنايات ، وفي أروش الجنايات لا يعتبر كمال العقل ، فإنك تعلم أن صبيا لو مزق على غيره ثوبه يجب أن يدفع إليه قيمة الثوب من ماله مع كونه غير كامل العقل ، فبطل ما أورده .