القاضي عبد الجبار الهمذاني

31

شرح الأصول الخمسة

الرد على من يقول : إن اللّه قد يعرف تقليدا ثم إنه رحمه اللّه سأل نفسه فقال : كيف يصح قولكم : إنه تعالى إذا لم يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة ، وجب أن نعرفه بالنظر والاستدلال ، وفي الناس من قال إنه يعرف تقليدا . وأجاب : بأن التقليد هو قبول قول الغير من غير أن يطالبه بحجة وبينة حتى يجعله كالقلادة في عنقه ، وما هذا حاله لا يجوز أن يكون طريقا للعلم ولهذا لم نذكره في الطرق المذكورة . والذي يدل على ذلك هو أن المقلد لا يخلو إما أن يقلد أرباب المذاهب جملة ، أو لا يقلد واحدا منهم إذ لا معنى لتقليد بعضهم دون بعض لفقد المزية والاختصاص ، لا يجوز أن يقلد أرباب المذاهب جملة لأنه يؤدي إلى اجتماع الاعتقادات المتضادات ، فلم يبق إلا أن لا يقلد واحدا منهم ، ويعتمد على النظر والاستدلال . الرد على القول بتقليد الأزهدين فإن قالوا : نقلد الأزهدين فلتقليدهم مزية على تقليد غيرهم ، قلنا : ليس الزهد والتقشف من أمارات الحق ، ولهذا فإنك تجد كثيرا من رهبانية النصارى قد بلغوا في الزهد الغاية مع كونهم على الباطل ، هذا وجه . ومن وجه آخر ، وهو أن يقال : ما من طائفة إلا وفيها زهاد وعباد ، فلا يخلو ، إما أن يقلد زهاد الطوائف أجمع أو لا يقلد واحدا منهم إذ لا معنى لتقليد بعضهم دون بعض ، لفقد المزية والاختصاص ؛ لا يجوز أن يقلد زهاد الطوائف أجمع لأن في هذا اجتماع الاعتقادات المتضادات ، فلم يبق إلا أن لا يقلد واحدا منهم ويعتمد على النظر والاستدلال . الرد على القول بتقليد الأكثرين فإن قالوا نقلد الأكثرين فللكثرة مزية ، قلنا : ليست الكثرة من أمارات الحق ، ولا القلة من علامات الباطل . ولهذا ذم اللّه الأكثرين بقوله : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ [ المائدة : 103 ] أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ [ الزخرف : 78 ] ومدح الأقلين بقوله جل وعز : وَقَلِيلٌ ما هُمْ [ ص : 24 ] وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [ هود : 40 ] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] . وقال الشاعر في القليل : تعيرنا أنا قليل عديدنا * فقلت لها إن الكرام قليل ولهذا فإن الحارث بن حوط لما قال لأمير المؤمنين علي عليه السلام : أترى يا