القاضي عبد الجبار الهمذاني

307

شرح الأصول الخمسة

رغب فيه ووعد عليه بالثواب العظيم ، ونهى عن خلافه وزجر عنه وتوعد عليه بالعقاب العظبم ، فيجب أن يكون تعالى مريدا له على ما نقوله . وبعد ، فإذا كان العبد مطيعا للّه تعالى بفعل الواجبات والنوافل وجب أن يكون اللّه تعالى مريدا لها ، لأن المطيع هو من فعل ما أراده المطاع ، بدليل قوله تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] أي لا يفعل ما أراده ، ويدلك على ذلك أيضا قول سويد بن أبي كاهل : رب من أنضحت غيظا صدره * قد تمنى لي موتا لم يطع أي لم يفعل له ما أراده . وكذلك قد روي ، أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ضرب بعقبه الأرض بين يدي عمه العباس فنبع الماء ، فقال له عمه العباس : يا ابن أخ إن ربك ليطيعك ، فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : وأنت يا عم ، لو أطعت اللّه لأطاعك . فإن قيل : هلا كان المطيع هو من فعل ما أمر به الغير ؟ قلنا : إن الأمر إذا تجرد عن الإرادة لم يتميز عن النهي أو ما في معناه من التهديد ، فكان يجب أن يكون العصاة كلهم مطيعين للّه تعالى بأن يفعلوا ما شاءوا لقوله تعالى : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] . وكان يجب أن يكون إبليس مطيعا للّه تعالى بأن يستفزّ من استطاع ، وبأن يجلب على المكلفين بخيله ورجله لقوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ [ الإسراء : 64 ] الآية ، ومعلوم خلافه . وبعد ، فإن العبد إذا فعل ما أراد السيد يكون مطيعا له وإن لم يصدر من جهته أمر ، بأن بكون السيد ساكتا بل أخرس ، والذي يوضح هذه الجملة ما قدمناه من قوله تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] استعمل الطاعة حيث لا يتصور الأمر ، وكذلك فقول سويد يدل على ما ذكرناه . وأما المناجاة ، فإنه تعالى لا يريدها ولا يكرهها لا في الدنيا ولا في الآخرة عند شيخنا أبي علي لأنه لا فائدة في ذلك ، وحمل قوله تعالى لأهل الجنة كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً [ الطور : 19 ] على الإباحة ولم يجعله أمرا . وأما عند أبي هاشم فإنه تعالى يريدها في دار الآخرة ، قال : لأنه يتضمن هناك فائدة ما يتضمن في دار الدنيا ، وهو أن أهل الآخرة إذا عرفوا أن اللّه تعالى يريد تلك المباحات منهم كان ذلك أهنى لهم وأطيب لهم ، فصار سبيلهم سبيل الضيف إذا علم