القاضي عبد الجبار الهمذاني

28

شرح الأصول الخمسة

العلم ، فإنه يجب أن لا يدخل تحت تكليفه ، ولا يجوز له الإقدام عليه ، لأن الإقدام عليه كالإقدام على الجهل المطلق . والأصل في الجواب عن ذلك ، أنه لا يجب على المكلف أن يعلم في نظره أنه مولد للعلم ومؤد إليه ، كما أنه لا يجب أن يعلم فيما يتصرف فيه من أحوال معاشه أنه يؤدي إلى المطلوب ، بل يكفي أن يعلم على الجملة في نظره أنه حسن أو واجب . وقد تقرر عندهم ، أنه لو كان يؤدي إلى الجهل لكان لا يحسن ولا يجب ، فعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل تحت تكليفه ولا يجب أن يعرف التفصيل الذي قالوه . ومنها ، أنهم قالوا : إن المكلف لو كان مكلفا بالمعرفة لكان يجب أن يعلم صفتها ، لأن المكلف لا بدّ أن يكون عالما بصفة ما كلفة ، والمعلوم أنه حال النظر لا يمكنه أن يعلم صفة المعرفة ، ولو وقعت المعرفة عند نظره لكان لا تقع إلا حدسا واتفاقا ، فلا يحسن تكليفه بها ، لأن التكليف بما لا يعلم كالتكليف بما لا يطاق في باب القبح . والجواب عن ذلك ، أن المعرفة إذا اختفت بسبب أو طريق ، وعلم المكلف ذلك السبب وميزه عن غيره صار كما لو علم نفس المعرفة ، إذ المقصود أن يمكنه الإتيان بها ، وذلك ممكن إذا عرف سبب المعرفة كما يمكن إذا عرفها نفسها . وإذا كان كذلك فقد خرج العلم من باب الحدس والاتفاق . فهذا هو الكلام على أصحاب المعارف على حسب ما يحتمله هذا المجمل . الكلام على أبي القاسم البلخي فيما يتعلق بمعرفة اللّه ضرورة وأما الكلام على أبي القاسم البلخي ، فالأصل فيه هو أن يعلم أنه بنى مذهبه على أصل له وهو ، أن ما يعرف استدلالا لا يجوز أن يعرف إلا استدلالا ، كما أن ما يعرف ضرورة لا يجوز أن يعرف إلا ضرورة . ونحن قبل أن نستدل بإفساد هذه الطريقة نفسد مذهبه ابتداء ، فنقول : إن خلافه لا يخلو إما أن يكون خلافا في الصحة ، أو في الوجوب . فإن كان خلافا في الصحة ، فالكلام عليه هو أن نقول : قد ثبت أن العلم من أجناس المقدورات فلا يخلو إما أن يدخل جنسه تحت مقدورنا أولا ، فإن لم يدخل جنسه تحت مقدورنا فيجب أن يكون القديم تعالى قادرا عليه وإلا خرج عن كونه