القاضي عبد الجبار الهمذاني

277

شرح الأصول الخمسة

وتفصيل هذه الجملة ، هو أن أوامر اللّه تعالى تنقسم إلى ما يكون أمرا على الإطلاق ، وإلى ما يكون أمرا بشرط . فالمأمور بالشيء على الإطلاق يلزمه ذلك الفعل في الحال ؛ فأما المأمور به بشرط فإن ذلك الفعل إنما يلزمه إذا حصل ذلك الشرط ، والشرط في مثلنا أن يوجد ويحصل على صفة المكلفين . فعلى هذا نقول : إن الموجودين في زمن الرسول كانوا مكلفين بهذه العبارات في الحال ، حتى كان يلزمهم التكفل بحفظه إلى أن يؤدوه إلى من بعدهم ، ثم كذلك في كل عصر ، وأما الذين لم يوجدوا في الحال فلا تكليف عليهم بشيء من ذلك إلا إذا أوجدوا وصاروا بصفة المكلفين . والغرض بقولنا : إن الخطاب متناول لهم والتكليف يجمعهم والموجودين في الحال جميعا ، أنه ليس يجب تكرار الخطاب بهذه العبارات من جهة اللّه تعالى ولا من رسله في سائر الأعصار وحالا بعد حال ، بل الخطاب الأول كاف ، ويكون السامعون له في الحال يلزمهم أداؤه إلى من بعدهم ، وإذا كان هذا هو الغرض ، لم يصح ما ظنوه من أنا جعلنا العاجز والضعيف والمعدوم مكلفا بالفعل وهو عاجز ضعيف معدوم ، بل إنما يكونون مكلفين إذا وجدوا واستكملوا شرائط التكليف ، ولا شبهة في حسن التكليف على هذا الحد . ألا ترى أنه يحسن من أحدنا أن يكلف غلامه الصعود إلى السطح غدا وإن لم يمكنه في الحال بإعطاء ما يحتاج إليه من السلم وغيره ، وإنما يقبح تكليفه الصعود مع عدم التمكين وإعطاء السلم وغيره ، لو كلفه به في الحال على ما يقوله القوم في الكافر ، ففارق حال هؤلاء حال الكافر ، فإن عندهم أنه مكلف في الحال بالإيمان وتحصيله ، مع أنه لا قدرة له عليه ولا له طاقة به ، بل لا يمكنه الانفكاك عن ضده الذي هو الكفر ، فأشبه تكليفه تكليف الزمن بالمشي على الزمانة ، وتكليف الأعمى بنقط الصحف على جهة الصواب على العمى . ثم إنه رحمه اللّه أجاب عن السؤال الثاني ، فقال : إن الآلات تنقسم إلى ما يجب تقدمها كالقوس وما يجري مجراها ، وإلى ما يجب مقارنتها كصلابة الأرض وغيرها ، وإلى ما يجب فيه كلا الأمرين كاللسان في الكلام والسكين في الذبح وما شاكل ذلك ، وكما أن هذه الآلات تنقسم هذه القسمة ، فكذلك المعاني التي يحتاج الفعل في الوقوع إليها تنقسم إلى ما يجب فيها التقدم ، وإلى ما يجب فيها المقارنة ، وإلى ما يجب فيه كلا الأمرين . إذا ثبت هذا ، وثبت احتياج الفعل إلى القدرة ، وجب أن تلحق القدرة بما هو