القاضي عبد الجبار الهمذاني

263

شرح الأصول الخمسة

أما ما لا يتراخى عن سببه فإن حاله كحال المبتدأ ، والمتراخي عن سببه فإنه لا يمنع أن تتقدمه القدرة بأوقات ، وإن كان لا يجب أن يتقدم سببه إلا بوقت . إذا ثبت هذا ، فالكلام في أن القدرة يجب تقدمها على مقدورها أو لا يجب ، وذلك يترتب على إثباتها أولا ، لأن الكلام في حكم الشيء يتفرع على إثباته . طرق إثبات القدرة : فالطريق إلى إثبات القدرة طرق : أحدها : ما قدمناه في إثبات الأعراض . وتحريره في هذا الموضع أن نقول : إن الواحد منا حصل قادرا مع جواز أن لا يحصل قادرا والحال واحدة والشرط واحد ، فلا بد من أمر وخصص له ، ولمكانه حصل على هذه الصفة ، وإلا لم يكن بأن يحصل عليها أولى من خلافه ، وليس ذلك إلا وجود معنى هو القدرة . والثاني : هو أن نقول : إن هاهنا عضوين ، يصح الفعل بأحدها ابتداء ، ولا يصح بالآخر ، فلو لا أن لأحدهما مزية على الآخر بأمر من الأمور ، وإلا لم يكن هو بصحة الفعل به أولى من صاحبه ، وليس ذلك الأمر إلا القدرة . والثالث : هو أن نقول : إن هاهنا قادرين ، يصح من أحدهما الفعل أكثر مما يصح من الآخر مع استوائهما في كونه قادرين ، فلو لا أنه مختص بأمر زائد على ما يختص به الآخر ، وإلا لم يكن هو بهذه المزية أولى من صاحبه ، وليس ذلك الأمر إلا زيادة القدرة على ما نقوله . مخالفة البغداديين : وقد خالفنا بذلك مشايخنا البغداديون ، وقالوا : إنما يصح من القادر الفعل لمكان الصحة لا لما ظننتموه . وقد بينا الكلام عليهم في باب الصفات ، وذكرنا أن الصحة إما أن يراد به التأليف من جهة الالتئام ، أو اعتدال المزاج ، أو زوال الأمراض والأسقام ، وشيء من ذلك مما لا يؤثر في وقوع الفعل ولا في صحته لأن الفعل إنما يصدر عن الجملة ، فالمؤثر فيه لا بد من أن يكون راجعا إلى الجملة ، وهذه الأمور كلها راجعة إلى المحل .