القاضي عبد الجبار الهمذاني

243

شرح الأصول الخمسة

الجزاء على ما يخلقه فينا قبيحا . وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . ومن ذلك ، قوله تعالى : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ النساء : 79 ] وقوله : وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ الحديد : 8 ] فلو لا أن الإيمان موقوف على اختيارنا وإلا كان لا يستقيم هذا الكلام ، ويجري مجرى أن يقول لهم : ما لهم لا يسودّون ، وما ذا عليهم لو اسودوا ؟ وذلك مما لا يجوز . وكان للخصم أن يقول : أنت الذي منعتني عن الإيمان بأشد منه ، لم تخلقه فيّ وخلقت فيّ ضده الذي هو الكفر . فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . ومن ذلك ، قوله تبارك وتقدس وتعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) [ المدثر : 49 ] وذلك إنما يصح إذا لم يكن الإعراض من قبله ، فأما إذا كان هو الذي منعهم عن التذكرة وخلق فيهم الإعراض عنه ، فلا وجه لهذا التوبيخ والسؤال . فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . ومن ذلك ، قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] فقد فوض الأمر في ذلك إلى اختيارنا . فلو لا أن الكفر والإيمان متعلقان بنا ومحتاجان إلينا ، وإلا كان لا معنى لهذا الكلام ولتنزل منزلة قوله : من شاء فليسود ، ومن شاء فليبيض ، فكما أن ذلك سخف لأن الاسوداد والإبياض غير متعلقين بنا ، كذلك في مسألتنا . هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ . ومن جملة ذلك ، قوله تعالى وتقدس : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] أورد الآية على وجه التوبيخ ، وذلك لا يحسن إلا بعد احتياج الكفر والإيمان إلينا وتعلقهما بنا ، وإلا كان ذلك بمنزلة أن يوبخ أحدنا على طول قامته وقصرها ، فيقال : قد أنعمنا عليك وصنعنا بك وفعلنا ، فقصرت قامتك أو طالت . وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا . ومن ذلك ، قوله تعالى وتنزه : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا [ ص : 27 ] نفى اللّه تعالى أن يكون في خلقه باطل ، فلو لا أن هذه القبائح وغيرها من التصرفات