القاضي عبد الجبار الهمذاني
241
شرح الأصول الخمسة
إذا ثبت هذا ، ومعلوم أن في أفعال العباد ما يشتمل على التهود والتنصر والتمجس ، ولي شيء من ذلك متقنا ، فلا يجوز أن يكون اللّه تعالى خالقا لها . فإن قال : ما أنكرتم أن هذه الأشياء متقنة لتضمنها الدلالة على أن اللّه تعالى جعلها متناقضة فاسدة ؟ . قلنا : إن ذلك لا يصح من وجوه : أحدها : أن هذه الأشياء التي هي التهود والتنصر والتمجس وغير ذلك ، كلها مخلوقة فيكم من جهة اللّه تعالى على سائر الوجوه عندكم ، فكيف يقال إن اللّه تعالى جعلها على وجه ولم يجعلها على وجه ؟ . ومنها : أن التناقض والفساد مما لا تأثير لجعل الجاعل فيه ، فكيف يصح قولكم إن اللّه تعالى جعله متناقضا ؟ يبين ذلك ، أنه لو كان لجعل الجاعل تأثير في تناقض الشيء وفساده ، لكان لا يمتنع أن يجعل الظلم متناقضا فاسدا في بعض الحالات ، والعدل في بعضها ، وذلك محال . وأيضا ، فليس يكفي في كون الفعل متقنا أن يكون دلالة على أمر من الأمور بل لا بد أن يكون حسنا ، ألا ترى أن الكلام الفصيح الذي يشتمل على الفحش والخنا لا يوصف بالإتقان مع تضمنه الدلالة على أن فاعله قادر عالم ، ففسد ما قالوه . ثم إنه رحمه اللّه ، ذكر : أن جميع القرآن يشهد على ما قلناه ويؤذن بفساد مذهبهم ، لأن جميع القرآن أو أكثره يتضمن المدح والذم والوعد والوعيد والثواب والعقاب ، فلو كانت هذه التصرفات من جهة اللّه تعالى مخلوقة في العباد ، لكان لا يحسن المدح ولا الذم ولا الثواب ولا العقاب ، لأن مدح الغير وذمه على فعل لا يتعلق به لا يحسن . فإن قيل : ما أنكرتم أن هذه التصرفات متعلقة بنا من جهة الكسب ؟ قلنا : إن الكسب غير معقول ، وما لا يعقل لا يجوز أن يكون جهة الحاجة . وبعد ، فإن الكسب عندكم يجب مع الصحة ، وما يجب عند الصحة لا يجوز أن ينصرف إليه المدح والذم ويستحق عليه الثواب والعقاب .