القاضي عبد الجبار الهمذاني

238

شرح الأصول الخمسة

منع السمع من أن يشتق للّه تعالى من ذلك اسم ، نحو الفقه والفضل والحراسة والطب إلى ما شاكل ذلك ، ولولا السمع لكنا نجوز أن يوصف اللّه تعالى بهذه الأفعال أيضا . وأما ما ذكرته من الحركة والمتحرك فجهالة مفرطة ، لأن المتحرك ليس هو اسم لمن فعل الحركة وإنما هو اسم لمن حلته الحركة ، والفاعل للحركة إنما يسمى محركا ، فلا جرم يجوز أن يسمى اللّه تعالى به . وما ذكرت من أمر الوالد فأبعد ، لأنه اسم لمن خلق الولد من مائه ، أو ولد الولد على فراشه ، وليس هو اسم لفاعل الولد ، وإنما الذي يشتق لفاعل الولد من هذا الاسم إنما هو المولد ، وذلك إنما لا يجري على اللّه تعالى لإيهامه الخطأ ، وهو أنه من جنس الأسباب ، لولاه وإلا كنا نجوز أن يسمى القديم جلّ وعزّ به . آيات من القرآن تدل على أن اللّه لا يخلق أفعال العباد : ثم إنه رحمه اللّه احتج بآيات من القرآن على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأفعال العباد ، وذلك لم يورده على طريق الاستدلال والاحتجاج ، فإن الاستدلال بالسمع على هذه المسألة متعذر ، لأنا ما لم نعلم القديم تعالى ، وأنه عدل حكيم لا يظهر المعجز على الكذابين ، لا يمكننا الاستدلال بالقرآن ، وصحة هذه المسائل كلها مبنية على هذه المسألة . ولأن إثبات المحدث في الغائب ينبني على إثبات المحدث في الشاهد ، إذ الطريق إلى ذلك ليس إلا أن يقال : قد ثبت أن هذه التصرفات محتاجة إلينا ومتعلقة بنا ، وإنما احتاجت إلينا لحدوثها ، فكل ما شاركها في الحدوث وجب أن يشاركها في الاحتياج إلى محدث وفاعل ، وهذه الأجسام كلها محدثة فلا بد لها من محدث وفاعل ، وفاعلها ليس إلا اللّه تعالى فكيف يستدل بالسمع عسى هذه المسألة والحال ما ذكرناه ؟ فوضح بهذه الجملة أنه رحمه اللّه تعالى لم يورد هذه الآيات على وجه الاستدلال والاحتجاج وإنما أوردها على أن أدلة الكتاب موافقة لأدلة العقل ومقررة له . ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ : فما يدل على ذلك من جهة السمع قوله تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] نفى اللّه التفاوت عن خلقه . فلا يخلو : إما أن يكون المراد بالتفاوت : من جهة الخلقة ، أو من جهة الحكمة . لا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخلقة لأن في خلقة المخلوقات من التفاوت ما لا يخفى ، فليس إلا أن