القاضي عبد الجبار الهمذاني

227

شرح الأصول الخمسة

وداعينا هو ، أن أحدنا إذا دعاه الداعي إلى القيام ، حصل منه القيام على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة ، بحيث لا يختلف الحال فيه . وكذلك فلو دعاه الداعي إلى الأكل بأن يكون جائعا وبين يديه ما يشتهيه ، فإنه يقع منه الأكل على كل وجه ، ولا يختلف الحال في ذلك . وهذه أمارة كونه موقوفا على دواعينا ويقع بحسبها . وكما أنها تقع بحسب دواعينا وتقف عليها ، فقد تقف على قصودنا أيضا ، وعلى آلاتنا ، وعلى الأسباب الموجودة من قبلنا ، ألا ترى أن قوله : محمد رسول اللّه ، لا تنصرف إلى محمد بن عبد اللّه دون غيره من المحمدين ولا يكون خبرا عنه إلا بقصده ، وكذلك الكتابة لا تحصل منه إلا إذا علمها ، ولا يكفي ذلك حتى يكون مستكملا للآلات التي تحتاج الكتابة إليها نحو القلم وغيره ، وأيضا فإن الألم يقع بحسب الضرب الموجود من جهته ، يقل بقلته ويكثر بكثرته . فصح حاجة هذه التصرفات إلينا وتعلقها بنا على الحد الذي ادعيناه . فإن قال : لا يمكن الاستدلال بهذه الطريقة على أن هذه التصرفات واقعة من جهتنا ، لأن فعل الملجأ يقع بحسب قصد الملجئ وداعيه ، ثم لا يدل عندكم على أنه فعله . وكذلك فسير الدابة في الجهة التي تسير فيها تابع لقصد الراكب وموقوف عليه . كذلك فنعيم أهل الجنة تابع لاختيارهم وموقوف على قصودهم . وأيضا فإن اللون الحادث عند الضرب موقوف على الضرب ، يقل بقلته ويكثر بكثرته . وهكذا ، فبياض القبيطي يقع بحسب الضرب من جهتنا . وسواد الحبر يقف على أحوال خليط الزاج بالعفص ، وأيضا فإن الحرارة الحادثة عند حك إحدى الراحتين بالأخرى موقوف على الحك ، يقل بقلته ويكثر بكثرته . ثم لم يدل شيء من ذلك على أنه واقع من جهتنا ومتعلق بنا ، كذلك في مسألتنا . قيل له : أما فعل الملجأ ، فإنه يقع بحسب قصده وداعيه ، غير أن داعيه مطابق لداعي الملجئ فلا يصح ما ذكرتموه ، وكذا الكلام في الدابة ، ولهذا فلو قصد الراكب أن يسيرها في وجه الأسد لما سارت ، وإن كنتم تدعونا إلى ما خلقه اللّه تعالى فينا ، فإن ذلك مما لا فائدة فه ، فصح أن سيرها تابع لقصدها وداعيها ، دون قصد الراكب وداعيه . وأما نعيم أهل الجنة فمتعلق باللّه تعالى وموقوف على قصده وداعيه دون قصودهم ودواعيهم ، لولا ذلك وإلا كان يجب إذا دعى بعضهم الداعي إلى أن يبلغ ثوابه ثواب بعض الأنبياء أن يحصل ذلك ، ومعلوم خلافه . وأما ما ذكرته في اللون فمحال ، لأن ذلك اللون ليس بحادث ، وإنما هو لون الدم الذي كان فيه فانزعج